ليبيا أين وإلى أين؟

ليبيا أين وإلى أين؟

الأربعاء - 23 شهر رمضان 1442 هـ - 05 مايو 2021 مـ رقم العدد [15499]
جمال الكشكي
كاتب مصري

عندما شاهدت قتلة السادات يجلسون في الصفوف الأولى يوم الاحتفال (عام 2012) بذكرى حرب السادس من أكتوبر، أدركت جيداً أن المنطقة بأكملها مُقدمة على خطر كبير، وأن التحدي لن يستثني أحداً، ففي هذه اللحظة اختلطت الجريمة بالفضيلة، سقط المنطق من قواميس الأكوان، ظنت التنظيمات والجماعات الإرهابية أن الزمن دان لها، يومها قلت لنفسي في ظل هذه الصورة، ووسط هذا المشهد المُستفز للتاريخ والمُحرض على الجغرافيا، فليس مستبعداً أن يكون الطرف الفاعل في بعض العواصم هو من الميليشيات والمرتزقة. اليوم ونحن نتابع الأوضاع في ليبيا تذكرت ما توقعته آنذاك، فليبيا اليوم تدفع ثمناً باهظاً؛ صارت مسرحاً للمرتزقة والميليشيات، يمارسون العنف والإرهاب والتخريب والفوضى، ويعتبرون أن صحراءها وثرواتها سبيل داعم للتوغل في أفريقيا، والمنطقة العربية، ويقومون بأدوار وظيفية، ويمارسون حروباً بالوكالة لصالح قوى أخرى.
هذا التخريب الممنهج الذي جرى في ليبيا طوال الفترات الماضية من قبل هذه التنظيمات والجماعات دفع إلى مزيد من التعقيد والتأزيم، في الداخل الليبي من ناحية، ومن ناحية أخرى اتسعت دائرة الخطر على الأمن القومي للدول المجاورة، فالتنظيمات الإرهابية اتخذت من الصحراء الليبية وجهة لزعزعة الاستقرار في مصر؛ الإرهابي هشام عشماوي أخطر هذه العناصر حاول الاحتماء والاختباء داخل دروب الصحراء الليبية، تونس أيضاً لم تسلم من جحيم المرتزقة والميليشيات القابعة على حدودها مع شقيقتها ليبيا.
تداعيات وامتدادات أخطار هؤلاء الإرهابيين والمرتزقة تمتد إلى استقرار المحيط والعمق الأفريقي، ما حدث في تشاد الأيام الماضية له تشابكاته وتقاطعاته مع بنية الفوضى المتغلغلة في ليبيا، ولم يكن بعيداً أن الدول الـ15 الأعضاء في مجلس الأمن ربطت بشكل مباشر بين وجود المرتزقة والمقاتلين الأجانب في ليبيا، وبين ما حدث في تشاد.
معادلة الاستقرار لن تكتمل بدون إخراج المرتزقة والميليشيات حسب تقدير التجارب السابقة. التواريخ دائماً كاشفة للدلالات والإرهاصات المحتملة، في أجواء 17 فبراير (شباط) 2011 امتطى «الناتو» صهوة جواده ودخل ليبيا للثأر من الماضي، وليس انحيازاً للمستقبل. «الأطلسي» لم يكترث بمقدرات الشعوب والدولة. صناع الفوضى كانوا يقظين في استثمار اللحظة، أعادوا رسم خرائط جديدة لا تعرف حدوداً، غرقت الشعوب في تفاصيل السيولة السياسية، الأطماع انتصرت للتقسيم، الغرب الليبي له مكوناته، والشرق الليبي أيضاً له حساباته وتقديراته، جغرافيا الدولة الليبية، وثرواتها ومواردها لم تتوقف عن الغزل الصريح لقوى دولية عديدة؛ البعض طامع في السيطرة على المقدرات، والبعض الآخر اختار مقعد الحياد في انتظار التحالف مع من يمسك بمفاتيح النفوذ. عودة الدولة الليبية ليست في كشوف الرغبات للدول المتصارعة والطامعة. إطلالتها على المتوسط تزيد من تعقيدات الأوراق، الذاكرة الليبية تقول بأن «باليرمو» عقدت الآمال على «برلين» خابت التوقعات، تبخر الكلام قبل أن تغادر الطائرة الأراضي الألمانية عائدة بأطراف المباحثات إقليمياً ودولياً، لم يتوقف القتال، ولم ينجح التفاوض، تغيرت موازين القوى على الأرض، ازدادت التهديدات للأمن القومي لدول الجوار، لا بد من وقفة... القاهرة تعلن سرت - الجفرة خطاً أحمر... الدفاع عن النفس بموجب كل المواثيق الشرعية.
بوادر أمل تلوح في الأفق، «إعلان القاهرة» يدعو إلى وقف القتال، ويرسم خريطة طريق لحل سياسي شامل لكل القوى والمكونات الليبية. الترحيب بالمبادرة جاء عربياً ودولياً، تم البناء على مسار القاهرة، خطوات واقعية ملموسة، الأمم المتحدة تعود إلى ليبيا عبر سويسرا، تشكيل مجلس رئاسي ليبي، والعهدة على إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، مطبات عديدة تواجه المجلس والحكومة، محاولات كثيرة لتعطيل السلطة التنفيذية الجديدة عن تنفيذ مهامها، الانقسام السياسي بين المكونات الليبية يتزايد، الوصول إلى تنفيذ الاستحقاقات الدستورية يحتاج إرادة قوية وواضحة من جميع الأطراف الوطنية؛ ليبيا دولة تستحق الدعم والمساندة والإعمار والتنمية، واستعادة دورها في المحيط العربي. بلاد عمر المختار لن تسقط مرتين، الباحثون عن سياسة كسب الوقت بالمماطلة سيحققون خسائر مؤكدة، المشهد الحالي في ليبيا، وفقاً للمعطيات على أرض الواقع، يحتاج إلى جراحات دقيقة وسريعة قبل أن تخرج الأورام عن السيطرة؛ أولى هذه الجراحات هي الإسراع بتفعيل مشروع المصالحة الوطنية الشاملة، والجلوس على طاولة واحدة من أجل العبور بمقدرات الدولة ومؤسساتها الوطنية، واستفادة شعبها بمواردها التي هي مطمع للعالم، فاستمرار الانقسام ستكون له تداعياته الخطيرة التي تفشل معها أي جراحات. ثانية هذه الجراحات توحيد المؤسسات الليبية، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية التي تمثل الضمانة الرئيسية للاستقرار والأمن الليبي المفقود منذ 17 فبراير عام 2011.
ثالثة هذه الجراحات تتمثل في أهمية التحرك الدولي والأممي الضاغط والفاعل لإخراج المرتزقة والمقاتلين الأجانب الذين يهددون اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2020، فضلاً عن أن إخراجهم يؤكد سلامة نيات وحقيقة مواقف الأطراف التي نقلتهم إلى بعض المدن الليبية، ومن ناحية أخرى فهي رسالة واضحة وقوية تدعم التحركات التي تقودها السلطة الجديدة للحفاظ على سيادة واستقلال ليبيا، وخطوة من شأنها كشف الأوراق على طاولة النقاش.
رابعة هذه الجراحات تتعلق بأهمية التركيز على إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في الموعد المحدد لها (24 ديسمبر/ كانون الأول المقبل)، والدفع بقوة نحو إصدار القوانين والتشريعات اللازمة لإتمام هذا الاستحقاق الديمقراطي.
خامسة هذه الجراحات، التي تتوج الجراحات السابق ذكرها تلك المتعلقة بالإعمار والعودة إلى تنمية ليبيا، وفتح آفاق استثمارية كبرى تربط بينها وبين العالم، وليس المنطقة العربية فقط، وأن تكون هناك مبادرات كبرى متعددة الأهداف مثل الزيارة التي قام بها رئيس مجلس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، ويرافقه 11 وزيراً، إلى العاصمة الليبية طرابلس، إذ تضمنت الزيارة التوقيع على 11 وثيقة لتعزيز التعاون الثنائي بين البلدين في مجالات مختلفة.
سادسة هذه الجراحات هو التعامل الدقيق والحاسم مع ما تم الإعلان عنه من جانب تنظيم «الإخوان» الليبي بالتحول نحو الوجود تحت مظلة جمعية سياسية، وهنا وجب الانتباه لخطورة هذه الخطوة على مستقبل العملية السياسية، ومحاولتهم خداع الجماهير، والتسلل عبر صناديق الاقتراع إلى المؤسسات المنتخبة.
إذن وسط هذه التحديات الكبرى، نحن أمام صورة لم تكتمل ملامحها بعد في ليبيا، لكنها محفوفة بالمخاطر، تحتاج إلى تضافر عربي وإقليمي ودولي واضح، للحفاظ على قوة الزخم التي تحققت في الفترة الماضية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة