الجنرالية... وجوه وأعتاب

الجنرالية... وجوه وأعتاب

الثلاثاء - 1 شهر رمضان 1442 هـ - 13 أبريل 2021 مـ رقم العدد [15477]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق

من حق الأصدقاء العرب الذين نتواصل عبْر الأثير نبث إليهم أي انحدار يتواصل عليه الوضع في لبنان الذي أحبوه، ويكثرون بدورهم من الأسئلة التي لا إجابات حاسمة لها، ومثل أحدثها على سبيل المثال لا الحصر كيف لا يتأمل أهل الحُكْم في لبنان كيف أن الملك عبد الله الثاني ولمجرد أن بلغتْه بضع حالات وفاة في مستشفى السلط، وقيل في شأن أسبابها إن نوعاً من الإهمال حدث، ارتدى بدلته العسكرية وتوجَّه على الفور إلى حيث المستشفى المنكوب؛ فأدى بذلك واجب القائد وأدخل بعض السكينة إلى نفوس ثائرة. وللمرء أن يتصور ردود الفعل على وفيات أحباب من جانب ذويهم، في ديار للعشيرة فيها ثقافة ثواب وعقاب تتجاوز أحياناً الأصول المتبعة من جانب المؤسسات والأجهزة الرسمية.
ما سمعناه من الأصدقاء كان حاضراً في البال منذ رأيْنا من خلال فضائية «العربية» التصرف المسؤول والمقرون بالحس الإنساني من جانب المسؤول الأعلى في الدولة واستحضرْنا من الذاكرة كيف أن أهل السُلطة في لبنان كبيرهم ووسَطهم والكثيرين من الذين حولهم أصيبوا بسكتة الواجب المسؤول من كبار الرعاة نحو الرعية، كما الإصابة بالسكتة القلبية إزاء كارثة المرفأ التي لا مثيل لتداعياتها إنسانياً وعمرانياً، فلا هم تفقَّدوا ولا أبدوا حتى القليل من واجب المشاعر، كما أنهم تعاملوا مع واقعة تستوجب غرفة عمليات قضائية وليس فقط أحد القضاة يبذل فيها رجال القانون الجنائي هؤلاء جهوداً استثنائية ويضعون استنتاجاتهم وخلاصة رؤاهم القانونية في عهدة الواجب تكلفهم بفك ما يمكن فكه من الألغاز التي تكتنف الواقعة تخزيناً للمواد التي لا يحتاج لبنان أصلاً إليها، أو إلى هذا الكم الهائل منها.
وبهذا التعامل غير الإنساني والمنقوص ضميرياً أظهر مجتمع الممسكين بمفاصل الدولة وإمكاناتها أنهم خارج الأحقية في المواقع التي يتولونها بحكم ظروف تتناقض مع ما هو المألوف في الدولة الصالحة.
من هنا، وبقدْر ما أن المرء يشعر بالأسى وهو يسمع الشتائم في حق أهل السُلْطة مبثوثة على الهواء، وتصل إلى حد الإساءة إلى الكرامة والعائلة، وبعبارات معيب التلفظ بها وسرْد أمثلة عنها فيما نكتب، ثم تتبارى وسائل التواصل في ابتكار ما هو أكثر إهانة للذات من العبارات التي تتسارع وتيرة تناقلها... بالقدْر نفسه، بل وأكثر يكون هنالك استغراب لهذا التقبل من جانب المسؤولين المشتومين لما يتلفظ به الشاتمون في مظاهرات متنقلة أو عبارات مُهينة تُكتب على جدران المحال والمؤسسات والمباني على أنواعها، وبالذات مبنى وزارة الخارجية، ومبنى وزارة الداخلية، ومبنى المصرف المركزي وسائر فروع المصارف التي تحتجز ودائع الناس من دون وجه حق.
وفي تاريخ الحُكْم اللبناني لم تُصب كرامة مجموعة حاكمة بمثل ما هي مصابة به كرامة أهل الحُكْم الحالي، بل إن المطالبة باستقالة رئيس الدولة نتيجة وطأة ظروف سياسية ومطالب شعبية واعتراضات على ممارسات فساد وإفساد، لم تصل إلى المستوى الذي يحدث بالنسبة إلى أهل الحُكْم الحالي في لبنان، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن أكثر ما قيل في زمن الرئيس الأول للبنان بعد نيْله الاستقلال بشارة خليل الخوري (التسمية الشائعة هي الشيخ بشارة)، أنه ضعيف، وهو الرجل الفاضل، أمام استئساد بعض الحاشية (كما الحال في العهد الحالي عهد الرئيس ميشال عون) وأمام تورُّم جيوب الأنصار الذين ارتبطت صفتهم بتسمية «الفروماجيست» أبرزهم الشيخ سليم الخوري شقيق الرئيس. وكانت نتيجة الضعف تلك «ثورة بيضاء» وكانت عملياً ثورة الزعامات السياسية وليست الثورة الشعبية كما الحال مع الرئيس عون. ولم ترتفع أعمدة دخان الإطارات المحروقة كما الحال مع ثوار العهد العوني. والأهم من ذلك كانت هنالك عبارات ناقدة إنما ليست شتائم، في حق الرئيس وعائلته الشخصية، وكذلك في حق سائر ديناصورات الحُكْم. وحفظاً من جانبه للحقبة المضيئة من تاريخه والعلاقة الجيدة التي بناها مع القادة العرب، وبالذات أهل الحُكْم في كل من المملكة العربية السعودية والمملكة المصرية والجمهورية السورية. فإنه استقال، إنما بكل احترام للنفس من جهة وللسمعة الوطنية من جهة أُخرى. قدَّم استقالته أمام قائد الجيش الجنرال فؤاد شهاب، الذي بات رئيساً للجمهورية، بل الأفضل بين الرؤساء، بعد كميل شمعون الذي كان من بين أقطاب الثورة البيضاء وتَسبب حُكْمه في «ثورة» كانت حمراء دماً ورصاصاً في جانب منها.
ما يعنينا هنا في ضوء ما سمعْنا الأصدقاء العرب يقولون لنا: لماذا إذا كانت تلك حال الحُكْم. وباتت إهانات الرئيس من جانب الناس رجالاً ونساءً وعلى الهواء، فضلاً عن انحدار الوطن إلى مشارف التساقط في هاوية عميقة، وباتت مطالب الإقالة وجبة يومية من المتظاهرين في الشارع أو المتطلعين وهم في مكاتبهم أو بيوتهم، بل لماذا لا ينصرف العهد ويقطع كثرة التكهنات بأنه يتطلع إلى تمديد ولايته سنتيْن على نحو ما حدث لجنرال سبقه إلى الترؤس أو التوريث للصهر الذي يمارس في عهد نسيبه الرئيس ما كان يمارسه سليم الخوري في عهد شقيقه الرئيس بشارة الخوري. وأما ظاهرة «الفروماجيست» في سنوات الرئيس الأول للبنان المستقل، فإنها متواضعة قياساً بما عليه الحال من جانب ديناصورات عهد الرئيس الحادي عشر للبنان غير المستقل تماماً.
وحيث إن الرئيس عون جنرال أصلاً وكان ضيفاً على فرنسا في زمن كربته السياسية وغربته الاضطرارية القهرية ومطَّلع على تجربة حُكْم رائدة لجنرال مثله هو شارل ديغول، وكيف تعامل هذا الجنرال العريق وطنياً وعسكرياً مع حالة غضب طالبية، ولم يسقط فيها حتى جريح ولا جاع مواطن، ولا باتت عائلة في العراء ولا مال لمريض كي يشتري الدواء، فلماذا لا يقتبس الجنرال اللبناني الخطوة التي اتخذها جنرال فرنسا الذي إزاء حالة الغضب انتابه شعور أن هنالك في جيل المستقبل، طلاب فرنسا، عدم رضى عنه، واستباقاً منه لتعريض كرامته وأوسمته وميدالياته التي تزين يسار صدره، فضلاً عن أن طبْع الجنرال تُحتم عليه أن يحترم نفسه وتاريخه، اتخذ بينه وبين نفسه في لحظة صفاء ضميرية، وبعدما لاحظ أن جيش فرنسا لن يقمع طلابها جيل المستقبل، قراراً يقضي بطرْح «جمهوريته» على الاستفتاء. وعندما تأمَّل في نسبة الذين شاركوا (80 في المائة) ونسبة المؤيدين (52.87 في المائة) مقابل نسبة الرافضين (47.13 في المائة)؛ فإن كرامته كرمز لفرنسا الحرة إبان الاحتلال النازي في الحرب العالمية الثانية ولمؤسس الجمهورية الخامسة عام 1958 والمترئس لها 11 سنة عزز فيها شأنه كأقوى رئيس منذ نابليون الثالث، فإنه قرر وبكل عنفوان أن لا سنوات رئاسية جديدة له وقد بات في الثامنة والسبعين أهم من سنوات الزمن الذي مضى، فكتب بنفسه استقالة من ثلاثة أسطر صدرت كأهم وثيقة رئاسية عن قصر الإليزيه، وغادر بعد ذلك إلى قريته التي وُلِد فيها ونشأ وانتسب إلى المؤسسة العسكرية وبنى أمجاده التي انتصرت الفطنة عنده على الطمع الذي يحقق لحظة من الشهية، لكنه يُفقد الإنسان مجداً بناه.
ولذا؛ فمن المستغرب أن الجنرال عون وهو يتلقى الإهانات والانتقادات غير عابئ بما يصفه به اللبنانيون المحبَطون المكابدون، ولا بد لا تغيب الأمثولة الديغولية عنه، لا يقتدي بنظيره في الجنرالية، وبذلك يحفظ... ويحافظ. ولا تعود العبارات المسيئة وجبة بين فترة وأُخرى للمكتوين بلسعات عهد أصيب الممسكون بمقاليد السلطات فيه بـ«فيروس» ابتلاع الشتيمة بذريعة أن روحهم الرياضية تحصِّن ذلك، عِلْماً بأن هذا «الفيروس» أشد أذى بمن يصيبه من «الفيروس» الكوروني. والوقائع التي يعيشها اللبنانيون في الوطن المثخن بجراح الويلات تشهد على ذلك، وتؤكد أن الجنرالية في بعض خصائصها وجوه وأعتاب فيها الجنرال الحكيم والمحنك والجنرال الذي تغيب عنه الحكمة والحنكة... وكأنما السُلطة دامت لغيره حتى تدوم له.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة