هل يحتاج العالم مزيداً من البشر؟

هل يحتاج العالم مزيداً من البشر؟

الجمعة - 26 شعبان 1442 هـ - 09 أبريل 2021 مـ رقم العدد [15473]

ما مدى القلق الذي نشعر به إزاء تراجع أعداد سكان العالم؟ تقترب معدلات الخصوبة في بعض الدول الآسيوية وتقل عن 1.0، في الوقت الذي تنكمش أعداد الكثير من السكان الأساسيين في أوروبا.
داخل الولايات المتحدة، وصلت معدلات الخصوبة إلى مستوى منخفض قياسي بلغ 1.7 عام 2019، ومن المحتمل أن يتراجع بدرجة أكبر عام 2020، لأسباب منها جائحة «كورونا».
واللافت أن كثيراً من دول العالم الفقيرة تشهد انحساراً غير مسبوق في معدلات المواليد. وتبعاً لأحد التقديرات فإنه بحلول عام 2100، سيصبح النمو السكاني على الصعيد العملي صفراً.
إذا كنت تعتقد أنَّ العالم يعاني من زيادة سكانية كبيرة في وقت يواجه مشكلات بيئية خطيرة، فإنَّك ربما ترحب بهذه الأنباء، لكن مثلما شرح روبين هانسون، فإنَّ تراجع أعداد السكان يخلق منطقاً خاصاً به لا هوادة فيه. على سبيل المثال، إذا ما انكمش عدد سكان اليابان بمقدار النصف، ليصل إلى 65 مليون نسمة، فما الذي يمنعه إذن من مزيد من الانكماش ليصل إلى 30 أو 20 مليون نسمة؟
من ناحية أخرى، هناك بعض الأدلة التي توحي بأن انحسار أعداد السكان يضر بالاقتصاد العالمي. ومع ذلك، أعتقد أنَّ المأساة الكبرى ستكون الفشل في تحقيق الاستفادة الكاملة من قدرة كوكبنا على استدامة الحياة البشرية.
من بين الاحتمالات القائمة أن يحمل تراجع أعداد السكان في طياته آليات عكسية خاصة به. على سبيل المثال، إذا ما وصل عدد سكان اليابان لنصف المستوى الحالي، فإنَّ هذا سيجعل اليابان تبدو أرضاً أكثر فراغاً، ما سيدفع أسعار الأراضي نحو الانخفاض. وقد تجد بعض الأسر سهولة أكبر في شراء شقة أكبر في قلب طوكيو، وربما تقرر إنجاب عدد أكبر من الأطفال.
جدير بالذكر هنا أن التوجهات السكانية تعتمد على مدى استمرار أسباب انخفاض الخصوبة. في كثير من الحالات، تفضل النساء بناء حياة مهنية، أو بدء إنجاب الأطفال في وقت متأخر، ما يؤدي إلى انحسار معدلات المواليد. وينطبق الأمر ذاته على دول تعاني من انخفاض أعداد سكانها مثل اليابان وإيطاليا.
من بين الأسباب الأخرى التي تسهم في انخفاض الخصوبة، مسألة تولي شخص واحد مسؤولية رعاية الأطفال. مثلاً، إذا واجهت أم محتمَلة، قراراً يتعلَّق بالخصوبة، فإنَّ الاحتمال الأكبر أنها ستفضل إنجاب عدد أقل من الأطفال.
في الواقع، إنَّ الاتجاه العام نحو بناء أسر أصغر حجماً ربما يستمر أو يتزايد. وربما يستمر تحسن مستوى فرص العمل المتاحة أمام النساء من حيث الجودة، ما يرفع تكلفة بناء أسرة أكبر من حيث الفرص المهدرة. علاوة على ذلك، فإنَّ كثيراً من دول العالم تزداد ثراءً. ومع ازدياد الثروة، تميل مشاعر التدين، خاصة في الغرب، نحو الانحسار، في الوقت الذي تعزز مشاعر التدين حجم الأسر.
والتساؤل هنا: ما العوامل الأخرى التي ربما تسهم في استعادة الخصوبة؟ ربما وجود «روبوتات» أكثر مودّة سيزيد سهولة مهمة تربية أطفال. أو ربما مع تراجع أعداد السكان لمستويات أقل بكثير، ستقرر الأسر إنجاب مزيد من الأطفال بسبب شعورها بأن بقاء أوطانها في جوهره يتهدده الخطر.
ولا شك أن هناك مزيداً من السيناريوهات الأخرى غير العادية. وبغضّ النظر عن مدى احتمال حدوثها، لن يكون من الحكمة الاعتماد عليها. ومن الملاحَظ أنَّه في كثير من الدول، مثل سنغافورة، شرعت الحكومات في تنفيذ سياسات دعم قوية، لكن غير ذات فاعلية للأسر.
الواضح أن انحسار أعداد السكان مشكلة كبرى يُبدي العالم بوجه عام، والدول الأكثر ثراءً على وجه الخصوص، فشلاً في مناقشتها، ناهيك بمحاولة علاجها. في أي عام وفي أي دولة، ربما لا يمثل تراجع أعداد السكان مشكلة كبيرة، بل ربما يبدو أمراً مرحباً به، لكن علينا جميعاً الانتباه إلى أنه بمرور الوقت وعلى نحو جماعي، نختار نحن البشر مستقبلاً مغايراً تماماً للبشرية.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة