ميهير شارما
TT

إبقاء الكمامات بعد انجلاء الوباء

مع استمرار التعافي من جائحة فيروس «كورونا» المستجد، تتولى «بلومبرغ» نشر سلسلة من مقالات الرأي التي تنظر في الابتكارات التي تمخضت عنها الأزمة والتي تعد بحياة أفضل على المدى البعيد - بداية من بناء اقتصاديات أكثر صلابة وقدرة على الصمود، مروراً بمدن أكثر نظافة ومكاتب صحية بدرجة أكبر وأدوات مائدة خمس نجوم، وصولاً إلى تقليص السفر غير الضروري لأغراض العمل.
مر عام منذ أن ضربت الجائحة الهند، وفيما يتعلق بي؛ كان الأمر الأكثر غرابة أن حالتي الصحية أصبحت أفضل كثيراً. مثلما الحال مع معظم، لكن ليس جميع، الأشخاص الذين رأيتهم في الشوارع، حرصت على ارتداء قناع حماية الوجه على امتداد الشهور الـ12 الأخيرة. وحرصت على غسل يدي بدأب وتجنب مناطق التكدس. وعليه، للمرة الأولى في حياتي، لم أُصَب بالبرد طوال العام. ويبدو هذا أمراً لافتاً للغاية، ذلك أن العيش في دلهي، بزحامها والتقلبات الموسمية المفاجئة فيها، عادة ما يعني أن المرء يلتقط كثيراً من الميكروبات والفيروسات طوال فترة وجوده بأرجاء المدينة.
شخصياً، لست من عشاق ارتداء أقنعة حماية الوجه. وفي ظل قيظ الصيف بشمال الهند، يتحول ارتداء أي شيء على وجهك إلى تجربة خانقة. ومع هذا، آمل لدى انتهاء هذه الجائحة، أن تستمر معنا عادة ارتداء أقنعة حماية الوجه.
بطبيعة الحال، لست أقصد هنا ارتداء الأقنعة طوال الوقت، لكن ألن يكون رائعاً أن يشرع سكان المدن عبر أرجاء العالم في التصرف على نحو يشبه سكان شرق آسيا ولو بعض الشيء؟ أن يرتدي الناس، في موسم الإنفلونزا، أقنعة حماية الوجه لدى استقلالهم طائرة أو انضمامهم لحشد؟ وإذا تفاجأوا بأنهم يعطسون، يسارعون لالتقاط قناع حماية وجه وارتدائه قبل خروجهم من المنزل؟
أدرك جيداً أن هذا الحلم ربما يكون صعب المنال بعض الشيء في بعض أجزاء العالم، خصوصاً أن هذا القرن أثار حالة شديدة من الاستقطاب بوجه عام. وقد كان من الصادم للغاية مشاهدة كيف تحول ارتداء أقنعة حماية الوجه إلى تعبير سياسي داخل الولايات المتحدة ومناطق أخرى.
من ناحية أخرى، نجد أنه من بين كل الأشياء التي يمكن لشخص ما فعلها للحيلولة دون انتشار مرض ما، يبقى ارتداء قناع حماية للوجه أسهلها - إلا إذا كان قطاعاً كاملاً من البشرية قرر أنه من اللائق تماماً أن يسعل المرء في وجوه الآخرين!
اللافت كذلك أن السلطات الصحية لم تكن دوماً بالوعي الكافي في التعامل مع الموقف الراهن. على سبيل المثال، نذكر جميعاً كيف أن د. أنتوني فاوسي أخبر الأميركيين، مارس (آذار) الماضي، أنه «ليس هناك سبب يستدعي السير في الأرجاء مرتدياً قناعاً». ورغم أن أمثال د. فاوسي بدلوا آراءهم في وقت لاحق، تظل الحقيقة أن مثل هذه الرسائل المتضاربة ضارة للغاية.
وثمة سبب آخر يدعو للاعتقاد بأن أقنعة الوجه كانت بمثابة بارقة الأمل خلال هذا العام المروع، على الأقل من وجهة نظري. مارس الماضي، أصدر رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أوامره بإقرار بعض أكثر إجراءات الإغلاق صرامة على مستوى العالم. وبناءً عليه، أغلقت الأسواق وتوقفت نشاطات توصيل السلع، ولم يعد باستطاعة أي شخص شراء أي شيء.
ولم يكن ذلك لأنني حققت معجزة وتنبأت سلفاً بوقوع الجائحة، ولا لأنني سارعت إلى شراء أعداد كبيرة من الأقنعة بمجرد سماعي خبر ظهور الجائحة.
في الواقع، كان سبب امتلاكي لعدد كبير من أقنعة حماية الوجه بسيطاً للغاية: أنني اشتريت عدداً كبيراً منها قبل بضع سنوات خلال الشتاء. ولم يكن هذا لخوفي من الإصابة بالإنفلونزا، وإنما لأنه في دلهي مجرد التنفس ينطوي على خطورة.
وكشفت إحصاءات أنه في عام 2020، وقع ثلثا أشد مدن العالم تلوثاً في الهند، وجاء معظمها في السهول الشمالية حول دلهي. وبطبيعة الحال فإنَّ الأشخاص العقلاء يحرصون على ارتداء أقنعة لحماية الوجه في مواجهة هواء يتسم بمستوى جودة أقل 10 مرات عما ينبغي له أن يكون عليه، وذلك من أجل حماية الرئة.
ومع هذا، خلال المرات القليلة الأولى التي خرجت خلالها في دلهي مرتدياً قناع حماية الوجه، شعرت بأنني أحمق، ففي تلك الأيام قبل وقوع الجائحة، لم يكن أحد يرتدي قناعاً على الوجه. واعتاد الناس الوقوف معاً وتبادل أطراف الحديث في طقس الشتاء اللطيف، بينما يتنفسون هواءً رمادي اللون مفعماً بالسموم.
وهذا سبب آخر لسعادتي باعتياد الناس ارتداء أقنعة الوجه ورؤية الأقنعة من حولنا. وحتى عندما تختفي الجائحة، تظل مسألة الخروج من دون قناع وجه في دلهي تجربة يمكن أن تقضي عليك.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»