التكامل الوطني لـ«صنع في السعودية»

التكامل الوطني لـ«صنع في السعودية»

الاثنين - 15 شعبان 1442 هـ - 29 مارس 2021 مـ رقم العدد [15462]
د. عبد الله الردادي
باحث سعودي متخصص في الإدارة المالية

أعلن وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، يوم أمس، عن برنامج «صنع في السعودية» الذي يهدف إلى الارتقاء بالمنتج السعودي، وترويجه على النطاقين المحلي والعالمي، ليكون خياراً منافساً للمنتجات العالمية. ويأتي الإعلان عن هذا البرنامج متسقاً مع توجه «رؤية المملكة 2030» التي تهدف بشكل رئيس إلى تنويع مصادر الدخل الاقتصادي، وتقليل الاعتماد على النفط الذي يعد اليوم مصدر الدخل الأساسي الأكبر للمملكة. وتبرز عدة أسئلة متعلقة بكيفية الارتقاء بالمنتج السعودي، ليكون كما هو مراد له، والأدوار المناطة بالمؤسسات الوطنية للوصول إلى هذا الهدف السامي. وقد سبق لدول عدة إطلاق برامج لدعم صناعاتها الوطنية، كان أشهر هذه البرامج وآخرها برنامج «صنع في الصين 2025» الذي أطلق في عام 2015. وعلى الرغم من اعتماد الصين بشكل جوهري على الصناعات منذ ذلك العام، فإنها هدفت من خلال هذا البرنامج إلى تغيير الصورة النمطية عن الصناعات الصينية التي عادة ما ارتبطت بالصناعات المقلدة منخفضة الجودة التي تعتمد تنافسيتها بشكل أساسي على انخفاض تكلفة التصنيع، وبالتالي انخفاض السعر. وأوضحت الصين في برنامجها أنها تستهدف الصناعات عالية التقنية التي تعطيها ميزة تنافسية -غير انخفاض التكلفة- على بقية الدول الأخرى.
ويقود النظر إلى التجربة الصينية التي مضى عليها أكثر من 5 أعوام إلى أن الابتكار الصناعي هو أحد أهم سبل تطوير الصناعات المحلية، والمنطق في ذلك بسيط. فمن الصعب على أي دولة -ومن ضمنها السعودية- منافسة الصين في المنتجات التقليدية التي تعتمد تنافسيتها بشكل رئيس على انخفاض التكلفة، فالمنتجات الصينية منخفضة التكلفة غزت دول العالم، وأفلست مقابلها مئات المصانع حول العالم ممن لم يستطيعوا تصنيع المنتجات نفسه بتكلفة أقل من الصين. ولذلك فإن أحد أهم الطرق للترويج للمنتج السعودي هو تطوير هذه المنتجات، والارتقاء بها عن طريق الأنشطة الابتكارية التي تعطي للمنتجات الوطنية ميزة تنافسية وأفضلية على غيرها من المنتجات.
ويمكّن هذا البرنامج كذلك من الارتقاء بالمنتجات السعودية، وذلك بتطبيق عدد من الأنظمة الصناعية، مثل التصنيع الخالي من الهدر والأتمتة وغيرهما. وقد يكون هذا هو الوقت الأنسب للمملكة للانطلاق بشكل حقيقي في هذ الاتجاه، فالفائدة العظمى من تقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاع الصناعي هي زيادة الإنتاجية والفاعلية، في وقت تعاني فيه كثير من المصانع السعودية من الاعتماد على اليد العاملة التي في أحوال كثيرة لا يمكن النظر إليها بصفتها يداً عاملة ماهرة. لذلك فإن الارتقاء بالعمليات الصناعية في المصانع قد يكون خطوة مهمة لتطوير المنتج الوطني، وزيادة جودته وموثوقيته، وتقليل تكلفة إنتاجه، دون اعتماد على أساليب قديمة لا تتناسب مع المستقبل، كالاعتماد على كثافة اليد العاملة.
وقد تكون حوكمة هذا البرنامج أحد أكبر المهام التي تواجهه، فالجهات المعنية -سواء بشكل مباشر أو غير مباشر- في هذا البرنامج متعددة. وتحديد أدوار ومسؤوليات هذه الجهات جوهري، وعلى الرغم من كون هذا الأمر منطقياً، فإنه ليس بالأمر السهل من الناحية التطبيقية، فتأهيل الكوادر البشرية العاملة في المصانع مسؤولية وزارة التعليم، وتمويل المصانع مسؤولية عدد من الجهات، مثل صندوق التنمية الصناعي وبنك الصادرات السعودي وبرامج «رؤية المملكة 2030» (كبرنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجيستية)، وغيرها من الجهات التمويلية. والرقابة التشغيلية على هذه المصانع تكون من وزارة الصناعة والهيئة العامة للشركات الصغيرة والمتوسطة. والجهات المعنية بالتطوير والابتكار هي مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية ووزارة التعليم والمراكز البحثية والتطويرية. ولا يُنسى دور هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية وهيئة تنمية الصادرات السعودية اللتين قد تشاركان في البرنامج منذ تحديد أولوية المنتجات المدعومة حتى إنتاجها، إضافة إلى الجهات التي تساهم في تسويق هذه المنتجات داخلياً وخارجياً، مثل المركز السعودي للشراكات الاستراتيجية الدولية ووزارة التجارة وغيرهما.
هذه الجهات مجرد أمثلة ترتبط، بشكل أو بآخر، بهذا البرنامج، ويوجد غيرها كثير، ويحتاج البرنامج إلى تكاملها بشكل وثيق للوصول إلى نتيجة توصل المنتج السعودي إلى دول العالم. وغني عن الذكر والتفصيل أن الشريك الأكبر في ذلك هو القطاع الخاص الذي تُطلق كل هذه البرامج للارتقاء به لما فيه مصلحة له وللسعودية. وقد لا يكون من المبالغ فيه القول إن تكامل هذه الجهات هو الخطوة الأهم في إنجاح هذا البرنامج، لا سيما أن المملكة مؤهلة بما تملكه من إمكانيات لتكون رائدة في القطاع الصناعي، فلديها الكوادر البشرية الشابة، والمؤسسات التعليمية لتأهيليها، كما يحظى هذا القطاع بدعم صانع القرار، بما يترتب على ذلك من دعم لوجيستي ومالي. كذلك فإنها عملت على مدى سنوات ماضية على تأهيل البنى التحتية الصناعية، باستحداث مدن صناعية موزعة على مناطقها، كما تملك موقعاً جغرافياً مميزاً يسهل عليها نقل منتجاتها إلى أي بقعة من العالم.
إن الارتقاء بالمنتج السعودي ليكون في مكانة عالمية أمر يمكن تحقيقه بتضافر الجهات الحكومية وتكاملها، وقد سبق لشركات سعودية أن وصلت -وما تزال- إلى هذه المكانة. ولم تصل هذه الشركات السعودية -وغيرها من الشركات العالمية- إلى هذه المكانة دون أنشطة ابتكارية ميزت منتجاتها عن بقية المنتجات، ولم تكن هذه الشركات لتنافس وتصمد لو لم تواصل تحسين عملياتها الصناعية وأمثلتها بشكل مستمر لزيادة كفاءتها، وهذه عوامل جوهرية للارتقاء بمصانع المنتجات السعودية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة