أميركا... صراع حول الوباء

أميركا... صراع حول الوباء

الأحد - 14 شعبان 1442 هـ - 28 مارس 2021 مـ رقم العدد [15461]

لا تعد عمليات إعادة الفتح المتسارعة للمؤسسات التجارية داخل الولايات المتحدة خرقاً لـ«العلم» المرتبط بفيروس «كوفيد ـ 19». ورغم أن بعض الأفراد العلماء يحذرون من تنامي أعداد الوفيات المرتبطة بالفيروس جراء هذه الخيارات، فإنه لا توجد معلومات علمية يمكنها أن تخبرنا على وجه الدقة، كيف ينبغي لنا موازنة الصحة العامة في مواجهة الاحتياجات الإنسانية الأخرى. الواضح أن هناك بعض الأشخاص يرغبون في الوصول بعدد الإصابات بفيروس «كوفيد ـ 19» إلى أدنى مستوى ممكن مهما تكلف الأمر ـ لكن يبقى هذا موقفاً أخلاقياً، وليس «علمياً».
ومع ذلك، فإنه مع تفاقم التوترات حول قرار إعادة فتح المطاعم وصالات الألعاب الرياضية ومؤسسات أخرى، خرجت روتشيل والينسكي، مديرة مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، ليس فقط لتحذر من أن الولايات المتحدة قد تشهد ارتفاعاً شديداً في أعداد الإصابات الجديدة، وإنما ناشدت الأميركيين الاستمرار في الالتزام بإجراءات تتعلق بالصحة العامة. في حقيقة الأمر، تخلط مثل هذه النوعية من النصائح ما بين العلم والأخلاق والقيم والسياسات الحزبية. وقد عاينا الكثير للغاية على نحو مفرط من هذا الأمر على مدار الأشهر الـ12 الماضية.
من جهته، أوضح الاستشاري بمجال التواصل بشأن المخاطر، بيتر ساندمان: «إنني ببساطة غير مهتم برأي خبير أوبئة حول ما إذا كان ينبغي إعادة فتح المدارس، وإنما أنا مهتم برأيه حول ما مدى حجم انتشار الفيروس حال إعادة فتح المدارس. أما مسألة ما إذا كان ينبغي إعادة فتح المدارس، فهذا أمر خارج مجال تخصصه. وأشعر بضيق عندما يحاول خبراء الأوبئة التظاهر بأن هذا الأمر ينتمي لمجال تخصصهم».
من جانبه، اتبع الطبيب فينايبراساد، الذي يعمل بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، وجهة نظر مشابهة. وقال: «يمكن للعلم فقط أن يحدد لنا أفضل تقدير ممكن لما سيحدث إذا فعلنا شيئاً ما أو إذا فعلنا شيئاً آخر، لكن العلم لا يمكنه أن يخبرنا بالسبيل الأمثل نحو تقييم الأمور، وإنما ستبقى هذه دوماً قرارات تخص السياسيين».
اليوم، تدرك الغالبية أن اللقاحات ليست مثالية، لكن ثمة مؤشرات منتشرة بكل مكان توحي بأن الكثيرين يعتبرون اللقاحات جيدة بما يكفي للعودة إلى السفر والمطاعم ونشاطات أخرى. ويعني هذا أن مسؤولي الصحة العامة بحاجة لأن يكونوا أكثر تحديداً وأقل استبداداً.
من جهته، أعرب ساندمان عن اعتقاده بأن مجتمع المعنيين بالصحة العامة لا يزال يسعى لتعويض الإخفاقات الأولى بداية عام 2020 عندما قلل من مخاطرة فيروس «كوفيد ـ 19». وأضاف «أعتقد أنهم عندما أدركوا الخطأ الذي وقعوا فيه، سعوا للتعويض عنه بإفراط، وأصبحوا بدلاً عن ذلك مبالغين في التشاؤم».
وعندما سألته حول ما إذا كان لهذا التشاؤم أي صلة بين الصراع بين العلم واحتياجات الناس، أجاب بأن الحرص المفرط الذي يبديه مسؤولو الصحة العامة «يضرب بجذور أقل في العلم عما تعتقده الغالبية منا».
واعترف براساد بأنه كان هناك الكثير من التخمين فيما يخص أي القيود ينبغي فرضها. وقال: «كم عدد الأشياء التي نفعلها لنحارب فيروس (سارس ـ كوف ـ 2)؟ على أدنى تقدير، أقدر عددها بما بين عشرة آلاف ومائة ألف إجراء تدخلي مختلف». وتتنوع هذه الإجراءات ما بين إغلاق الحدود الوطنية إلى إزالة أطواق كرة السلة. واستطرد موضحاً أنه: «لا يمكنك أن تعلم أبداً ما إذا كان طوق كرة السلة ذلك مداناً بنقل الفيروس، فأنت لا تملك بيانات كافية للتعرف على ذلك».
المؤكد أنه لا بأس في تحذير الناس من أن الأزمة لم تنته، خصوصاً ونحن لا نعلم ما إذا كانت السلالات الجديدة من الفيروس الأكثر قدرة على الانتقال ستتسبب في إثارة موجة جديدة.
وقال ساندمان إنه بغض النظر عما تقوله مراكز السيطرة على الأمراض واتقائها، فإنه يشتبه في أنه حتى الكثير من الأميركيين الملتزمين القواعد الاحترازية سيعودون لحياتهم الطبيعية بعدما تصبح اللقاحات متاحة على نطاق واسع. وقال: «لقد افترضوا أنه عندما تصبح اللقاحات متاحة، فإنها ستحل محل هذه القائمة من الإجراءات التدخلية الخانقة... أما الآن، فيقال لهم إنه حتى بعد تلقيهم التطعيم، ينبغي لهم الاستمرار في الالتزام بمعظم الإجراءات الاحتياطية التي ظلوا ملتزمين بها طوال عام بالفعل. إن هذا الأمر لا يبدو وكأنه خيانة فحسب، وإنما أيضاً حالة من العبث».
باختصار، هناك الكثير الذي يمكن للعلم أن يخبرنا به بخصوص المخاطر النسبية الكامنة وراء العودة للنشاطات العادية، ومن المهم أن يبقي المسؤولون العموميون جمهور المواطنين، على علم بأي مخاطر قد تستمر فيما بعد تلقي اللقاح، لكن حان الوقت للتوقف عن التظاهر بأن الأهداف المفضلة لدى المسؤولين ومقايضاتهم هو «ما يمليه العلم».
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة