رحلة إلى المصيف

رحلة إلى المصيف

الأحد - 16 رجب 1442 هـ - 28 فبراير 2021 مـ رقم العدد [15433]
علي المزيد
كاتب في الشؤون الاقتصادية

يمثل الطائف في ذاكرة السعوديين المصيف، حيث كانت الحكومة السعودية تنقل أعمالها في الصيف لمدينة الطائف، وبالطبع زرت الطائف وأنا طفل، لا سيما وهو إحدى الطرق المؤدية إلى مكة.
فجأة ظهر لدينا مصيف آخر لم نكن نعرفه وهو جبال عسير، فكان أحد أحلامي في وقتها أن أزور عسير، وقبل 44 عاماً، أي نحو عام 1977 ميلادية وكنت وقتها في الثانوية العامة، قررت أنا وثلاثة من الزملاء زيارة منطقة عسير، ومما شجعنا على ذلك زيارة الزميل خالد بن عياف للرياض، وهو من سكان أبها، فعزز هذا الاتجاه لدينا وفي الصيف قررنا الذهاب، فامتطينا صهوة سيارتنا متوكلين على الله ومتوجهين إلى أبها منطلقين من الرياض، لن أطيل عليكم، منذ أن تركنا الطائف خلفنا وبدأنا رحلة الصعود لمنطقة عسير وكنا قد خططنا أن نبدأ رحلتنا في الصباح الباكر إلا والطبيعة تقابلنا بجمالها الأخاذ وبائعي الخوخ والمشمش العسيري يقابلوننا بمنتجاتهم الطازجة - المهم لن أطيل عليكم - وصلنا أبها وحللنا ضيوفاً على ابن عياف، بدأنا نبحث عن فندق فلم نجد والبيوت التي تؤجر لا تؤجر للعزاب، فاستمررنا في ضيافة ابن عياف الذي كان والده قد أفرد بيتناً خاصاً للضيوف، فكنا نبات لديه ونتناول الإفطار، وننطلق في رحلة لاستكشاف عسير، وكانت المنطقة بكراً وعذرية ولكن تنقصها الخدمات، وفي أحد الأيام كنا في السودة - منطقة مرتفعة في عسير – ظهراً، فحضر مضيفنا وقال الإرصاد تتوقع هطول المطر في السودة، فلنتجه إلى وادي القرعاء، لأنه أقل ارتفاعاً عن سطح البحر، وذهبنا إلى الوادي وكان وادياً جميلاً، ولكن تبعنا المطر المصحوب بالبرد استمتعنا بالمنظر الجميل وعدنا لمضيفنا، وبعد أن انتهت رحلتنا عدنا إلى الرياض، وكان مجمل الحديث عن جمال المنطقة وكرم أهلها الذين لم نسأل أهلها عن شيء إلى ودعونا ليكرمونا.
بعد ذلك انقطعت زياراتي للمنطقة، وفي عام 1999 نقلت للعمل في صحيفة «الوطن» أثناء إنشائها قادماً من صحيفة «الاقتصادية»، وكان المقر الرئيسي لـ«الوطن» منطقة عسير، وكان لا بد أن نجتمع مع طاقم التحرير في أبها، ذهبنا إلى منطقة عسير، بدأنا الاجتماعات وكان في مخيلتي وادي القرعاء، فطلبت أن أزوره لجماله في ذاكرتي، فأخبرني الزملاء العاملون في المركز الرئيسي أن جماله قد انتهى لأنه أصبح مكباً للنفايات!؟
ولا أخفيكم أن المنطقة تطورت عن زيارتي السابقة، ولكنه تطور بطيء، لدرجة أننا لا نجد سيارة أجرة، ثم توالت زيارتي للمنطقة ووجدت بعض المنتجعات الجميلة والرخيصة، فقد استأجرت فيلا رائعة مع عائلتي بقيمة 1000 ريال في الليلة (266 دولاراً أميركياً). لن أطيل عليكم فقد تكررت زياراتي للمنطقة، وكان الحديث يدور دائماً مع رجال الأعمال أن المنطقة لم تأخذ حقها من التطوير السياحي، رغم أنها أصبحت وجهة للسياح الخليجيين.
اليوم أطلقت السعودية من خلال صندوق الاستثمارات العامة «شركة السودة للتطوير» لجعل المنطقة وجهة سياحية، ولن أتحدث عن فوائد تلك الشركة، ولكن ما استرعاني هو حجم الوظائف التي ستوفرها تلك الشركة، والمحددة بنحو 8000 وظيفة منظورة وغير منظورة، فإذا كنا في السابق نبالغ في حجم الوظائف التي ستوفرها مشاريعنا، فإننا اليوم نقلل من حجم الوظائف التي سيخلقها مشروع تطوير منطقة عسير، إذا أتوقع أن يخلق المشروع وظائف أكثر من ذلك، خصوصاً الوظائف غير المنظورة، لا سيما والمنطقة تتمتع بمميزات نسبية عالية، أهمها ارتفاع المنطقة 3000 متر عن سطح البحر، قربها من تهامة المشتى الطبيعي ومدينة جازان التي تعد مشتى طبيعياً للسياح، ومدينة ساحلية جذابة للسياح، مما يعزز امتداد شركة السودة لتطوير هذه المناطق بصفتها مناطق مساندة لسياحة عسير، ولن أعدد مزايا المنطقة فهي أكثر من أن تحصى، ولكني متفائل بهذا التطوير.
منطقة عسير أهملت سياحياً مدة طويلة، وحينما نقول أهملت فإننا نقصد بذلك أنها لم تأخذ حقها الذي تستحقه، اليوم ومع شركة السودة، فالمنطقة موعودة أن تكون إحدى المحطات السياحية في المنطقة العربية، ولكن يبقى السؤال كم منطقة في عالمنا العربي تمتع بميز نسبية وهي مهملة الآن؟ وتستحق أن ينفض عنها الغبار لتساهم في الناتج القومي العربي ولتخلق الوظائف. ودمتم-


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة