من يتهم من بالعمالة والخيانة السياسيّة؟

من يتهم من بالعمالة والخيانة السياسيّة؟

الأربعاء - 12 رجب 1442 هـ - 24 فبراير 2021 مـ رقم العدد [15429]

ازدهرت ثقافة التخوين والاتهام بالعمالة في السنوات الأخيرة في لبنان، وصارت بمثابة وصفة جاهزة تُلصق بكل من يدلي برأي مغاير للتوجه السائد الذي لا يُبنى وفق مندرجات المنطق السياسي بالضرورة، إنما وفق موازين القوى الغالبة التي تتحكم بخيوط اللعبة ومسار الأحداث ونتائجها المباشرة وغير المباشرة.
ولا يقتصر إطلاق التهم الجاهزة والمعلبة بالعمالة على المواقف المعلنة، بل إن شرارته تمتّد إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت جزءاً مهماً وأساسيّاً في الحياة السياسيّة وفي عمل الأحزاب والتنظيمات. وبات مصطلح «الجيش الإلكتروني» يلازم عمل معظم تلك الأحزاب التي تؤطر كوادرها وتجهزها للانقضاض على أي شخصيّة قد يقع الخيار عليها بأنها الطريدة المقبلة للاتهام بالعمالة.
وما حلول الوسم (الهاشتاغ) الذي تطلقه تلك الأطراف في المراتب الأولى على وسائل التواصل الاجتماعي، إلا ليعكس حجم الاستقطاب السياسي والاستنفار الذي تحشد له القوى السياسية في إطار سعيها لشيطنة الشخصيّات التي تعارضها وتقارعها بالحجة والبرهان والمنطق السياسي، فترد عليها بالاتهامات الشخصيّة والشتائم والاتهامات المغرضة بالتخوين.
وغنيٌ عن القول طبعاً أن تمدّد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد يقتصر على العالم الافتراضي، لأن انعكاساته تكون على مختلف مستويات المجتمع وقد تصل إلى الشارع والتوتر الميداني في بعض الأحيان، ما يجعل الأمور مرشحة للخروج عن السيطرة السياسيّة لولا تدخل الجهات المعنيّة في لحظات معينّة وتطلب وقف السجال، بعد أن يكون ما حصل قد حصل وبات اللعب على حافة الهاوية كما هي الأمور دائماً في لبنان.
الواقع أن منطق التخوين يعود في منطلقاته إلى أدبيّات ما يُسمّى «محور الممانعة» الذي أدخل هذا المصطلح إلى الحياة السياسيّة اللبنانيّة، ولا يتوانى عن استخدامه، لا سيّما في الأوقات التي تتساقط فيها مقتضيات المنطق والعقل وتكون الحاجة لتبرير سياسات وخيارات معينّة ضعيفة إلى حد بعيد، ما يجعل تحويل الأنظار باتجاه الأخصام، ورمي التهم بحقهم الوسيلة الأنجع للخروج من المأزق. طبعاً، لا يُخفى على أحد أن ثمة خيارات وسياسات لا تجد مكونات ذلك المحور حاجة لتبريرها أساساً أو لشرح للرأي العام، الذي تعده ملحقاً بها وطيّعاً وراضياً بما تقرره وترسمه من خطط.
ولعل من الأمثلة الصارخة على ذلك، إضافة إلى عدم رفض منطق التخوين لمجرد الاختلاف في الرأي، لا بل تعميمه وممارسته بكثافة هو ما اشتُهر بأنه «الحفاظ على حق الرد». ولكن هذا الأمر ينطبق فقط على إسرائيل التي تنتهك السيادة السوريّة بصورة يوميّة أقله منذ اندلاع الثورة سنة 2010 التي تحوّلت إلى حرب أهليّة بفعل ممارسات السلطة هناك. لقد رافق هذا المنطق السياسات السوريّة منذ ما قبل احتلال الجولان سنة 1967، ومنذ ذلك الحين لم تُطلق رصاصة واحدة باتجاه الاحتلال، لا بل كانت الجبهة السوريّة هي الأكثر هدوءاً على الدوام.
من هنا، فإن معادلة المهادنة مع العدو في الخارج والاستقواء على الخصم في الداخل تترك آثاراً في غاية السلبيّة على المسار العام، وعلى القدرة على تسويق الخيارات السياسيّة والاستراتيجيّة الكبرى، ما يجعل تلك القوى تنكفئ عن الإعلام ومخاطبة الجمهور العريض والرأي العام إلا فيما ندر، وتفسح المجال لمجموعة من المرتزقة لاحتلال الشاشات، والقيام بمهمة الدفاع المستحيلة وغير المقنعة عن «الخط». وغالباً ما تنتهي تلك المحاولة اليائسة للدفاع بأن تترك ندوباً أشد ضراوة على المشهد السياسي والإعلامي وتعكس تخبطاً في العناوين والخيارات الكبرى المبنية على أسس غير سليمة.
ثم، ما مفهوم العمالة وكيف يُقاس ووفقاً لأي معايير؟ ألم يسبق لتيارات سياسيّة لبنانيّة أن رحبت بالإفراج عن عملاء من صفوفها، وحملتهم على الأكف بعد استقبالهم في مقرات سياسيّة لقياداتهم أمام عدسات الكاميرات؟ وهل تسقط صفة العمالة المثبتة بتحقيقات قضائيّة وأدلة وبراهين بعد خروج العميل من السجن، بينما تبقى سارية على أصحاب الرأي المناهض وهي غير مثبتة أصلاً بالأدلة والبراهين؟ أي منطق يُفسّر ذلك سوى منطق فائض القوّة والسطوة السياسيّة والإعلاميّة؟
وكيف يُقاس مفهوم العمالة، عندما يتغاضى حزب ما عن جهود حليفه السياسي للإفراج عن أحد أعتى عملاء الاحتلال الإسرائيلي، بعد سجنه بقرار قضائي صادر عن محكمة عسكريّة، مسهلاً خروجه إلى خارج البلاد فقط من أجل المصلحة السياسيّة المباشرة؟ أليست ثمة معايير مزدوجة في هذه المقاربة المصلحيّة المريضة؟ وهل يستطيع هذا الحزب أو ذاك، بعد هاتين الحادثتين، إطلاق التهم بالعمالة تجاه الآخرين؟
إنه المنطق البائد القديم الذي لم يعد يفعل فعله في المجتمع، ولكنه للأسف يفعل فعله في الإقصاء المباشر. الشواهد كثيرة وتتكلم عن نفسها.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة