الشخصية الكاريزمية وقيادة التغيير

الشخصية الكاريزمية وقيادة التغيير

الخميس - 28 جمادى الآخرة 1442 هـ - 11 فبراير 2021 مـ رقم العدد [15416]
فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي

تأخذ الشخصيات الملهمة مساحتها المستحقة من التاريخ؛ فالمجتمعات تحتاج إلى قادة كبار يقودون السفينة في عاتيات الرياح. ولأن للتاريخ ذرواته ومنعطفاته فإن القرارات المصيرية والشجاعة هي التي تنقذ المجتمعات من الغرق والهلاك. كان تشرشل يقول إن التاريخ سينصفه لأنه هو من سيكتبه، وقد كان، فلولا العزم والعناد والتصميم على خوض الحرب حتى النهاية لكان شكل العالم اليوم مختلفاً كلياً عما هو عليه، آمن به الناس وفوضوه أمرهم فإما النصر أو الموت، هذا التفويض لا يأتي إلا لقادة نادرين في العالم. كان الفيلسوف هيغل كغيره من الفلاسفة ممن أبهرهم نابليون بدهائه وسياسته وأعماله ومنجزاته، وحين رأى هيغل نابليون عام 1806 على حصانه وهو يتجول بين جنده بعد انتصاره المبين على بروسيا قال كلمته الشهيرة: «لقد رأيت المطلق؛ روح العالم يمتطي صهوة جواده»، هذه الزعامات هي من ترسم مسار أممها. إنها الشخصيات الكاريزماتية.
في الثاني من فبراير (شباط) نشرت الدكتورة أمل الهزاني مقالة بهذه الجريدة عنونتْها بسؤال: «هل تصنع كاريزما القائد المستقبل؟» وهو سؤال له جذره ولا تزال حيويته. خلصت أمل إلى أن الكاريزما مفيدة مع القوة والقدرة على العمل وصناعة الفرق، فالكاريزما دافع لكنها ليست كل شيء.
طرح من قبل ماكس فيبر سؤال الكاريزما منطلقاً من أهميتها للقائد في قيادة الشعب، وبنظر فيبر فإن كاريزما القائد مهمة وتصنع التغيير وبخاصة لدى المجتمعات «التي لا تحكمها العقلانية» حينها يكون المخلص الشجاع وسيلة النجاة الكبرى والفيصل في تحديد المصير، فنابليون كان ملهماً مثله مثل المخلصين الكبار الذين يقودون شعوبهم روحياً وسياسياً وعسكرياً نحو الخلاص.
كتب فيبر في «التنظيم الكاريزماتي» ودفعه نحو المفهوم كتاب الباحث والحقوقي المختص بعمل الكنيسة رودلف سوم «قانون الكنيسة» نشر عام 1892 حين افتقرت الكنيسة للتنظيم الهرمي لتقسيم الكرامات، غير أن التنظيم الكاريزماتي القائم على الاعتراف الحر أثبت أن الموهوب الكاريزماتي ليس شيئاً اعتباطياً. (انظر ما كتبه فيبر حول الكاريزما في كتابه الاقتصاد والمجتمع من ص 491 إلى 593).
الكتاب طبع ضمن مشروع أعمال ماكس فيبر الكاملة، بترجمة وعناية محمد التركي، مع تنويه الناشر لفيبر بأن النص حول السيادة الكاريزماتية وتحديد الطابع السوسيولوجي الخاص بالسلطة الكاريزماتية غير مكتمل، والموضوع طويل حول النص وظروف كتابته والعثور عليه لكن نختصر هنا بعض موقفه.
ولنقف عند خلاصة رأي فيبر أجد ممن اختصره سيرين الحاج حسين ترجمة وتعليقاً على ما كتبه في: «البيروقراطية والكاريزما» نشره «موقع حكمة» ومما أوردته: «مع أن فيبر على دراية بحقيقة أن الديناميكا الاجتماعية ناتجة عن العديد من القوات والعوامل الاجتماعية؛ لكنه يؤكد بشكل خاص على دور ظهور الشخصيات الكاريزماتية كعامل أساسي للتغير الاجتماعي. طابع حركات الشخصيات الكاريزمية حماسي، مما يفسح المجال، أو يهيئ في بعض الظروف، للتآخي والشعور بالمسؤولية الاجتماعية والانتماء. وبناء على هذا؛ يُعتبر الأبطال الكاريزميون والأنبياء شخصيات أحدثت تغييراً حقيقياً في التاريخ».
وتضيف عن فيبر أن «الحالة الكاريزمية الحقيقية مباشرة ومتداخلة بين الأشخاص. وبالمقابل في الحياة اليومية للمؤسسات التي تكون القيادة فيها ذات طبيعة عفوية، للمرء أن يميز بسهولة التراث الليبرالي الذي واجه دائماً انقسامات مشابهة: الكتلة مقابل الشخصية، الروتين مقابل الإبداع، اتفاقيات الأشخاص العاديين مقابل الحرية الداخلية للشخصيات الرائدة والاستثنائية، القواعد التنظيمية بمقابل العفوية، الكدح والملل للوجود العادي بمقابل الرحلة الخيالية في حياة العبقري. بجانب اسمانية منهجه؛ تعريف فيبر للكاريزمية هو فلسفة تاريخية مستمرة، شكلت تأثيراً مهماً - بالإضافة إلى كتاب كارليل حول الأبطال واتّباعهم - على الكتابة التاريخية في القرن التاسع عشر. في مثل هذا التركيز، تخليد ذكرى أحدهم صار مصدر قوة أو عامل قوة أساسياً عبر التاريخ. مفهوم فيبر عن القائد الكاريزمي مرتبط بمفهوم «العبقري» كما لو أنه موجود منذ عهد النهضة».
ضرب فيبر أمثلة من المجتمع الشرقي، فكاريزما القائد تحمل المجتمع إلى قراراتها وتنتج معها مشروعاتها وأحلامها، واستشهد بمثال من تاريخ المسلمين، حيث إن العطل العميق والمبكر في تاريخ تأسيس النظام السياسي كان بسبب عدم ربط الخلافة بالوراثة الكاريزماتية، انظرها في كتابه (الاقتصاد والمجتمع) في صفحات (554 و590).
تمنحنا التجارب التاريخية خلاصة أساسية؛ أن الشخصية الكاريزمية لها دورها القوي عبر نفوذها الروحي في وجدان الشعوب على التغيير وأخذ خيارات قصوى سياسية واقتصادية وعسكرية، هذا التفويض من الناس للشخصية الفذة يجعلها أقدر على تحقيق المعجزات. وبلا شك أن القائد الكاريزمي الفذ في المنطقة الذي أبهر العالم هو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، فما يحمله من سمات كاريزماتية باهرة جعلته من القادة المؤثرين والمساهمين في التغيير على مستوى العالم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة