الديمقراطيون ينصبون فخاً للجمهوريين

الديمقراطيون ينصبون فخاً للجمهوريين

الأحد - 26 جمادى الأولى 1442 هـ - 10 يناير 2021 مـ رقم العدد [15384]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

ما حدث في كابيتول هيل الأربعاء لم يكن محاولة انقلاب على الديمقراطية حركها دونالد ترمب، مثلما يدعي زعماء الحزب الديمقراطي مستغلين مبالغات الشبكات والمؤسسات الصحافية الأميركية والعالمية لتوجيه ضربة طويلة الأمد للجمهوريين والحركات المحافظة.
فقط عشرات من الغوغاء من بضع مئات أو حتى بضعة آلاف من المتظاهرين الغاضبين (من إجمالي 74 مليوناً و223 ألفاً صوتوا لترمب)، مع تقصير بوليس واشنطن وهم يعلمون مقدماً بالاحتجاج.
الزعيمة الديمقراطية، ورئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، تصيح بأن ترمب «خطر على أمن أميركا» في لعبة ماكرة لابتزاز نائب الرئيس مايك بنس معنوياً ليتخذ خطوة دستورية لعزل ترمب وتولي الرئاسة.
البند الرابع من التعديل 25 من الدستور (وليس المادة 25 لأن amendment تعني تعديل) كإضافة للمادة الثانية المعنية بالجهاز التنفيذي كنائب الرئيس ومجلس الوزراء والمؤسسات والوكالات الفيدرالية.
الفقرة السادسة من البند الأول للمادة الثانية تتعامل مع «فراغ منصب الرئيس في حالة العجز»، والتي تعرفها «بموت الرئيس أو استقالته أو غيابه للمرض أو عندما ينزع الكونغرس المنصب منه».
التعديل 25 أضيف عام 1967. لتوصيف شغل منصب نائب الرئيس في حالة تولي الأخير مهام الرئيس ومنحه الصلاحية الفورية كرئيس الجهاز التنفيذي بما فيها القوات المسلحة.
بدأ الإعداد للتعديل عقب اغتيال الرئيس جون كيندي في 1963 للإسراع بنقل الصلاحيات بسهولة إلى نائب الرئيس، ونقل مهام الأخير إلى من يخلفه. نائب الرئيس وقتها، ليندون جونسون (1908 - 1973)، كان تعرض لأزمة قلبية في 1955 وأفراد أسرته ماتوا مبكرين، وخشي الكونغرس مرضاً مفاجئاً للرئيس جونسون بلا وجود نائب له. الأمر كان معقداً قبل التعديل، فدستورياً الكونغرس هو الذي يحدد الرئيس ونائبه، وتصديق الكونغرس فقط على نتائج الانتخابات يمنحهما الشرعية.
تعديل عام 1967 أضاف حالتين جديدتين؛ الرئيس نفسه يطلب إعفاءه من مهامه، أو يقرر نائب الرئيس ومجلس الوزراء بالتصويت عجز الرئيس عن أداء المهام، وبالتالي تتم إقالته ويتولى نائبه الرئاسة في الفترة الباقية حتى موعد الانتخابات الرئاسية. الحالتان تشترطان موافقة مجلسي الكونغرس بأغلبية الثلثين.
التعديل 25 طبق ست مرات. البند الأول، المتعلق بتولي نائب الرئيس المنصب حتى الانتخابات القادمة، مرة واحدة عندما استقال ريتشارد نيكسون وتولى جيرالد فورد الرئاسة في عام 1974 إثر فضيحة ووترغيت. والبند الثاني طبق مرتين؛ الأولى عندما استقال سبيرو أنغيو (1918 - 1996) كنائب للرئيس نيكسون في 1973 وعين نيكسون فورد (كان عضو الكونغرس عن ميشيغان) نائباً، واجتمع الكونغرس للتصويت على الاختيار. وفورد الوحيد الذي شغل منصبي الرئيس ونائب الرئيس بلا انتخاب مباشر. والمرة الثانية عندما أصبح فورد رئيساً وعين نيلسون ألدريتش روكفيللر (1908 - 1979) نائباً له، وتطلب تصويت مجلسي الكونغرس.
البند الثالث تولي نائب الرئيس صلاحيات المنصب لفترة مؤقتة في حالة مرض الرئيس أو تغيبه لفترة محددة وعجزه عن الاتصال بالجهاز التنفيذي طبق ثلاث مرات؛ الأولى في صيف 1985 عندما أجرى الرئيس رونالد ريغان جراحة استئصال ورم في القولون وتولى نائبه، جورج هيربرت بوش مهام الرئاسة لثماني ساعات. ابنه، جورج بوش الأصغر، التجأ للبند الثالث في صيف 2002 أثناء فحوصات في المستشفى وتولى ريتشارد (ديك) تشيني مهام الرئاسة؛ وكرر بوش الأمر للسبب نفسه في ولايته الثانية في 2007 وتولى تشيني المهام مؤقتاً. أما البند الرابع فلم يفعّل أبداً لأنه يتعلق بإقالة الرئيس.
تطبيق إجراءات التعديل 25 يتطلب «فراغ منصب الرئيس». ترمب لم يستقِل، ولا يزال بصحة جيدة. ولا يبقى أمام خصم ترمب، المدام بيلوسي، إلا أداة واحدة «نزع الكونغرس المنصب من الرئيس»، عن طريق impeachment - الترجمة العربية «العزل»، لا تفي بالمعنى وهو إجراءات بغرض العزل، قد تنجح أو تفشل، ولنسمِها التحقيق البرلماني بغرض العزل (حتى يجتهد فقيه لغوي بتعبير يفي بالمعني).
تعرض دونالد ترمب للإجراءات في 2019. وقبله بيل كلينتون (في 1998 بتهمة الشهادة الزور في نفي علاقته بمتدربة في مكتبه)، وقبلهما أندرو جونسون (1808 - 1875 الرئيس السابع عشر 1865 - 1869)؛ ولم يعزل أي منهم رغم تسجيل التاريخ أن الثلاثة impeached (الفعل الماضي).
محاولة العزل مثل إجراءات القضاء، ومن حق «المتهم»، وهو الرئيس، الدفاع عن نفسه، وتتطلب إدانته تصويت ثلثي المجلس. والإجراءات ستطول إلى ما بعد 20 الشهر الحالي (موعد تولي جو بايدن الرئاسة)، والمدام بيلوسي تريد تعليق جثة ترمب السياسية من شرفة الكونغرس، لكنها ستعجز عن تأمين أصوات ثلثي المجلسين لذا لجأت إلى أسلوب الابتزاز المعنوي لنائب الرئيس بنس لتفعيل البند الرابع من تعديل 1967 بتصويته ومجلس الوزراء على إعفاء ترمب من مهامه.
هناك فخ ينصب لبنس الذي يتعرض لضغوط ضخمة أميركياً وعالمياً، فخصوم ترمب هم أقوى تحالف توحد ضد زعيم دولة منذ انتحار أدولف هتلر في 1945: كامل المؤسسة الصحافية (تقريباً)، واليسار العالمي، والحركة النسوية، وحركة البيئة والاتحاد الأوروبي، وإيران، والصين وحركات التطرف والإرهاب التي ازدهرت في عهد أوباما، ناهيك عن الدولة العميقة في أميركا التي رفضت «الدخيل» ترمب منذ اليوم الأول لانتخابه في خريف 2020. استجابة بنس للضغوط قد تنزلق بأميركا إلى أخطر أزمة تواجهها منذ الحرب الأهلية (1861 - 1865). فالخطوة ستؤدي لانقسام الحزب الجمهوري، وغالباً سيظهر تيار متشدد يضم 40 في المائة من مؤيدي ترمب، ليس فقط يضمن بقاء الديمقراطيين في الحكم لعقود قادمة، بل قد يقود هذا التيار زعيم من يمين متشدد، وربما بآيديولوجيا فاشية ولكن بلسان معسول ودهاء سياسي ينقص ترمب الذي لم يكن فاشياً كما تدعي المؤسسة الليبرالية العالمية، لكن «نباحه أسوأ من عضته» كما في القول الإنجليزي.
عزل بنس لترمب سيثبت اتهام الأخير «لمستنقع واشنطن الفاسد» بالتآمر على البسطاء الأميركيين الذين تدهورت أحوالهم الاقتصادية والاجتماعية لثلاثة عقود قبل ترمب.
أكثر من 42 في المائة من بيوت أميركا تمتلك أسلحة نارية بجانب خمسة ملايين جدد استصدروا تراخيص أسلحة في 2020. ماذا يحدث لو دفع انقلاب بنس، بإيعاز من بيلوسي، بعشرة في المائة فقط من مصوتي ترمب إلى امتشاق أسلحتهم احتجاجاً؟


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة