إيران والحيرة بين الصدام والرد

إيران والحيرة بين الصدام والرد

الاثنين - 13 جمادى الأولى 1442 هـ - 28 ديسمبر 2020 مـ رقم العدد [15371]

منذ أنَّ تسبب هجوم صاروخي أميركي في قتل أهم جنرال إيراني قبل عام تقريباً، تعهد النظام الإيراني بالانتقام، وجاء التهديد الأخير الأسبوع الماضي فقط. ومع ذلك، وبغض النظر عن وابل الضربات الصاروخية ضد قاعدة عراقية في يناير (كانون الثاني) الماضي، ما تسبب في إصابات دماغية رضية لجنود أميركيين متمركزين هناك، جاء الرد الإيراني هادئاً نسبياً.
ويعود ذلك إلى أنه حتى في الوقت الذي يستعد فيه الجيش الأميركي لأي شيء قد تحاول إيران أو وكلاؤها فعله، فإنَّ النظام الإيراني لا يبحث عن مواجهة مفتوحة مع أقوى جيش في العالم، هكذا قال الجنرال فرانك ماكنزي، المسؤول عن القيادة المركزية الأميركية.
وأضاف ماكنزي في مقابلة، مع مجموعة صغيرة من المراسلين: «إنها قضية معقدة للغاية. من ناحية، لا يسعى الإيرانيون نحو الدخول في صدام كبير مع الولايات المتحدة، فهم لا يبحثون عن حرب». إلا أنه أقر في الوقت ذاته بأن هناك رغبة حقيقية لدى النظام للثأر لمقتل الجنرال قاسم سليماني.
في الواقع، من السهل فهم هذا الجزء الأخير، فقد كان سليماني استراتيجياً عسكرياً موهوباً، وقاد حرباً على جبهات متعددة، وتمرداً في الشرق الأوسط، شهد في ذروته عمليات في اليمن والعراق وسوريا ولبنان. وبفضل المهارات القيادية التي تمتع بها، تمكن سليماني من تنسيق هذه الحرب متعددة الجبهات، وإبقاء جماعات وميليشيات مختلفة تعمل بالوكالة لصالح إيران، وميليشيات في الطريق ذاته.
وقال ماكنزي إنه منذ وفاة سليماني، عاينت الولايات المتحدة ظهور انقسامات داخل الميليشيات الشيعية المدعومة من قبل إيران داخل العراق، وأبدى بعضها انفتاحاً أكثر على تلقي الأوامر من الحكومة العراقية المنتخبة، بدلاً عن جارتها التي تشكل مصدر تهديد أكبر. وقال ماكنزي إن مقتل سليماني: «ألحق الضعف بقدرة إيران على توجيه مثل هذه المجموعات بقوة». ويثير كل هذا تساؤلات أمام الرئيس المنتخب جو بايدن.
جدير بالذكر هنا أن معظم أعضاء الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه بايدن نددوا بقرار الرئيس دونالد ترمب قتل سليماني في يناير، باعتباره استفزازاً طائشاً. وكتب بايدن نفسه في دورية «فورين أفيرز» أن مقتل سليماني: «أزال عنصراً فاعلاً خطيراً، ولكنه أثار أيضاً احتمالية تصاعد دائرة متفاقمة من العنف في المنطقة». والتساؤل الآن: هل سيحاول بايدن وقف تصعيد هذه الدائرة مع إيران؟ وهل سينجح في ذلك؟
وتبدو وجهة نظر ماكنزي مفيدة. وقد أكد أن القادة الإيرانيين لم يشكُّوا قط في «قدرة الولايات المتحدة على الرد» على هجماتهم، إلا أنه بدلاً عن ذلك، شكك النظام الإيراني في «إرادتنا للرد». وقال إن الهجوم الذي أسفر عن مقتل سليماني أظهر استعداداً لدى الولايات المتحدة «لم يعتقدوا أننا سنكون قادرين على امتلاكه».
وتكشف سلسلة الأحداث التي أدت إلى مقتل سليماني هذه النقطة. كانت إيران قد بدأت في تصعيد هجماتها ضد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة في ربيع 2019، مع شن «الحرس الثوري» الإيراني هجمات ضد ناقلات النفط، وهاجم سرب من طائرات من دون طيار منشأة تكرير سعودية. وخلال الأسابيع التي سبقت الهجوم ضد سليماني، اجتاح مسلحون مدعومون من إيران مقر السفارة الأميركية في بغداد. وطوال الوقت، تجنب ترمب ضرب أهداف إيرانية داخل إيران، خشية أن يشعل ذلك حرباً جديدة في الشرق الأوسط.
وعندما أقدم ترمب أخيراً على التصعيد في يناير الماضي، لم تكن النتيجة حرباً جديدة. أطلق النظام الإيراني النار على قاعدة عراقية، وأسقط بالخطأ طائرة ركاب أوكرانية؛ لكن في النهاية تضاءلت وتيرة هجماتها ضد القوات الأميركية وحلفائها في المنطقة. وبذلك أعيد ترسيخ الردع.
هذا درس مهم لبايدن وهو يستعد لتولي الرئاسة. اليوم، يهدد المرشد الأعلى لإيران بالانتقام خلال فترة انتقالية رئاسية فوضوية. لذا، يجب أن يوضح بايدن أن الولايات المتحدة لديها القدرة والاستعداد للرد على أي شيء يخطط له الإيرانيون.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة