بريطانيا: أزمة الخروج وما بعده

بريطانيا: أزمة الخروج وما بعده

الأحد - 6 جمادى الأولى 1442 هـ - 20 ديسمبر 2020 مـ رقم العدد [15363]

سواء باتفاق أم من دونه، بعد أيام قليلة، وتحديداً، لدى نهاية شهر الاحتفالات هذا بأعياد الميلاد المسيحية، والانتهاء من إطلاق الألعاب النارية احتفاء بنهاية عام 2020 وحلول عام 2021 ستكون بريطانيا، من دون شك، خارج الاتحاد الأوروبي، وقد تخلصت، كما تمنّتْ واشتهت، من أعباء قيود قوانينه ونظمه وإجراءاته البيروقراطية! هذه حقيقة، يعرفها البريطانيون من مناصري «بريكست» ومعارضيه على السواء، وغيرهم. وما لا يعرفونه هو أي وجهة ستتخذها بريطانيا في العهد الجديد، بعد أن تمكنت، أخيراً، وبرغبتها، من فك ارتباط دام لأكثر من نصف قرن تقريباً في أوروبا، وماذا يا تُرى ستفعل بسيادتها المستعادة، في مرحلة عالم ما بعد الوباء؟
لا تفكروا في حزم أربطة المقاعد بعد. فالرحلة البريطانية المأمولة في العهد الجديد الموعود، ما زالت رهن التأجيل، بسبب ما أحدثه الوباء الفيروسي من تداعيات وارتباكات على المستويات الصحية والمالية والاقتصادية والاجتماعية دولياً، وما استلزمه على المستوى المحلي البريطاني من إجراءات احترازية وقائية وإغلاق عام، وكذلك الانشغال بإعداد خطط طارئة لمواجهة العجز والقصور في المواد الغذائية والصحية المترتبة على احتمال عدم التوقيع على اتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي. وما زالت الأسئلة المثارة تفوقُ، عدداً وحجماً وقتامة، الغيومَ العالقة في سماء المدن البريطانية، ولم يتبيّن حتى الآن، الخيط الأبيض من الخيط الأسود في لندن أو بروكسل، رغم أن رئيس الوزراء جونسون يؤكد في تصريحات، تكاد تكون يومية، أن مستقبلاً زاهراً في الانتظار، حتى من دون التوقيع على اتفاق تجاري، مع بروكسل، لأن بريطانيا ستحظى باتفاق مماثل لأستراليا. الغريب، أن العالم كله يعرف أنه لا وجود إطلاقاً لأي اتفاق تجاري بين أستراليا والاتحاد الأوروبي! الأمر الذي يؤكد أن تصريح السيد جونسون يعني شيئين لا ثالث لهما؛ أولهما أن السيد جونسون غاب عنه وجود اتفاق. ثانيهما تضليل الناخبين البريطانيين! وأيهما كان الصحيح، فحين تنتهي الفرحة بالسيادة المستردّة، ستجد الحكومة البريطانية نفسها واقعة بين سندان ما تركه لها الوباء من مشكلات ومطرقة الخروج المتوقع بلا اتفاق، في غياب حلول موضوعية، قابلة للتنفيذ، وتساعد على الخروج من المأزق بأقل خسائر ممكنة سياسياً واقتصادياً.
«الخروج من أوروبا بلا اتفاق لا يتعلق بحدوث حالة اضطراب على المدى القصير فقط، بل هي ألم اقتصادي على المدى الطويل». هذه مجرد فقرة واحدة أنقلها من افتتاحية طويلة، تعليقاً على إخفاق الحكومة البريطانية في الوصول إلى اتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي، خصصتْها، في الأسبوع الماضي، واحدة من كبرى الصحف الأسبوعية البريطانية (ذي صنداي تايمز) المحافظة التي دعمت بقوة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وفي عدد الأحد الماضي، من صحيفة «الأوبزرفر»، نشر اللورد المحافظ مايكل هيزلتاين، نائب رئيس الوزراء الأسبق جون ميجر (1995 - 1997)، مقالة تساءل فيها عما إذا كانت السيادة المستردّة واستعادة السيطرة على مقاليد الأمور ستمكّنان من خلق وظائف عمل، أو تؤكدان مستقبلاً زاهراً، أو أنهما ستستقطبان مزيداً من أموال الاستثمارات، أو ستسهمان في رفع مستوى معيشة المواطنين، بعد أن خسرت بريطانيا علاقتها التجارية مع واحدة من كبرى الأسواق في العالم، تقع على مقربة منها، وتعتمد عليها في نصف صادراتها وواردتها تقريباً؟
من الواضح، أنه لا مكان متوفراً بعد، يكفي لوجود أي إجابات في الوقت الحاضر، عن كل الأسئلة العالقة، وما قد تثيره من قلق. وما يحمله المستقبل، على المديين القريب والبعيد، من إجابات ليس من السهل معرفتها حالياً، خصوصاً أن الاتفاق التجاري الموعود مع الحليف التاريخي أميركا، يكاد يكون في خبر كان، بعد خسارة الرئيس دونالد ترمب الانتخابات الرئاسية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، واستعداده لمغادرة البيت الأبيض في بداية الأسبوع الثالث من شهر يناير (كانون الثاني) القادم. وليس أمام السيد جونسون وحكومته والغلاة من نوابه البرلمانيين المناوئين لأوروبا سوى البحث عن طريق يُفضي إلى حلول، عاجلة وممكنة، قد تسهم في خلق مناخ إيجابي يُعيد الأمل إلى نفوس مرهقة تعباً، في عالم تعرّض لهزّة مريعة من الوباء الفيروسي، أسهمت في خلخلة أساسات أركانه، وفي وقت تباطأت فيه سرعة دوران العجلة الاقتصادية دولياً، ولاحت قادمةً نحوه ومهددةً نذرُ الكساد.
التكهنات في وسائل الإعلام تشير إلى أن الطريق المسدود الذي وصلت إليه المفاوضات بين لندن وبروكسل قد يشهد حلحلة في الساعة الحادية عشرة، ويراهنون على قبول بريطانيا بشروط الاتحاد الأوروبي لقاء حصولها على اتفاق تجاري. أحد المؤشرات المهمة التعليمات التي أصدرتها الحكومة مؤخراً للبرلمان بضرورة عدم تعليق أعماله الأسبوع القادم بمناسبة عطلة أعياد الميلاد، الأمر الذي يعني احتمال الوصول إلى اتفاق والمصادقة عليه برلمانياً.
يقول كاتب بريطاني، لا يحضرني اسمه، إن أسوأ لحظات «اليوتوبيا» هي أن تصير واقعاً. وهذا يعني أن تحقق حلم غلاة اليمين المحافظ البريطاني بالخروج من الاتحاد الأوروبي سوف يصير واقعاً معيشاً، مع حلول عام 2021، فهل، يا تُرى، سيكون تحققه، رغماً عن تطمينات وتأكيدات رئيس الحكومة جونسون، أسوأ لحظات بريطانيا؟


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة