بايدن وعباس... حدود التغير المنتظر

بايدن وعباس... حدود التغير المنتظر

الثلاثاء - 1 جمادى الأولى 1442 هـ - 15 ديسمبر 2020 مـ رقم العدد [15358]

ينتظر الرئيس الفلسطيني محمود عباس 20 يناير (كانون الثاني) المقبل بفارغ الصبر. التطلع إلى زخم جديد للقضية الفلسطينية عبر مفاوضات ثنائية منضبطة أو مؤتمر دولي برعاية أممية أو أميركية حصراً يمثل طموحاً كبيراً يداعب مخيّلة الرئيس عباس ورموز السلطة. الإشارات الرسمية من الفريق الانتقالي للرئيس الأميركي المنتخب جو بادين تجاه الفلسطينيين والسلطة الوطنية تبدو إيجابية إلى حد كبير، مقارنة بمواقف الرئيس ترمب الذي أهدى القدس لإسرائيل وحاصر السلطة، ومنع عنها الدعم الاقتصادي، وسد أبواب التواصل الدبلوماسي معها. أهم هذه الإشارات ما أوضحه المرشح وزيراً للخارجية الأميركية بلينكن بأن بايدن يؤيد حل الدولتين وسيجدد دعم السلطة سياسياً واقتصادياً وسيفتح القنصلية الأميركية في القدس الشرقية.

من جانب آخر، فإن إقامة علاقات دبلوماسية بين عدد من الدول العربية وإسرائيل، تستند إلى مفهوم السيادة والحق في متابعة المصالح الوطنية، غيّرت بالفعل المعادلات التاريخية التي كانت تحكم القضية الفلسطينية، خاصة المبادرة العربية للسلام منذ العام 2002 حتى أسابيع قليلة مضت؛ وأهم عناصرها الأرض مقابل السلام، الأولى للفلسطينيين لإقامة الدولة وعاصمتها القدس، والسلام للجميع بما في ذلك إسرائيل. وجوهر التغير أن السلام والاعتراف المتبادل والعلاقات الدبلوماسية الكاملة يمكن بناؤه قبل تسليم الأرض للفلسطينيين لبناء الدولة، ولكن في الآن نفسه تُصر كل الأطراف العربية المعنية أن العلاقة الجديدة مع إسرائيل لا تعني التخلي عن حق الفلسطينيين في دولتهم وعاصمتها القدس، بل إن هذا السلام أو التطبيع وفقاً للتعبير الدارج، قد يكون الطريق الذي يقود للدولة الفلسطينية المنتظرة من خلال منع ضم إسرائيل لمزيد من الأراضي الفلسطينية، وإقناع الرأي العام الإسرائيلي بأن العلاقة مع العرب بمن فيهم الفلسطينيون تنطوي على مصالح كبرى، ولكى تكون مستدامة فإنها تتطلب بدورها تنازلات إسرائيلية، أهمها قبول الحق الفلسطيني في إقامة الدولة المستقلة القابلة للحياة.

منطقياً، المعادلات الجديدة تقود إلى وسائل نضالية ودبلوماسية جديدة. فلسطينياً الأمور تبدو مرتبكة إلى حد كبير. ثمة حاجة إلى استيعاب النتائج المترتبة على هذا الجديد، وكيفية توظيفه، ولا سيما بدء مسارات مختلفة من دون التخلي عن الحقوق الوطنية الأصيلة. الطرح الفلسطيني يقبل التفاوض ويدعو إليه وفق صيغة المؤتمر الدولي برعاية أممية، والذي أفاض في شرحه وأهميته الرئيس عباس في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في سبتمبر (أيلول) الماضي. وهو طرح سعى أساساً للالتفاف على الحقائق المريرة التي فرضها الرئيس ترمب بشأن القدس واعتبارها العاصمة الموحدة للدولة الإسرائيلية، وإضفاء شرعية أميركية على المستوطنات القائمة في عمق الأراضي الفلسطينية وإغلاق ملف اللاجئين الفلسطينيين وغيرها من البنود التي تضمنتها خطة صفقة القرن التي رفضتها السلطة الوطنية رفضاً باتاً. وفي ضوء المواقف التي أوضحها بلينكن المرشح وزيراً للخارجية في إدارة بايدن المقبلة يثور التساؤل الرئيسي؛ هل بإمكان إدارة بايدن أن تتبنى خيار المؤتمر الدولي وتسعى إلى إقناع إسرائيل بأهميته وضرورته، أو فرضه أسلوباً تفاوضياً جماعياً يحقق لتل أبيب هدف السلام الشامل مع العرب جميعاً وليس بعضهم مع بعض وحسب؟

بعض التقارير الإسرائيلية أشارت إلى مسعى مصري لبحث إحياء المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، وأن القاهرة مستعدة لاستضافة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لبحث هذا الأمر، بما في ذلك إقناع الجانب الإسرائيلي بقبول فكرة عقد مؤتمر دولي. التقارير نفسها، التي لم تؤكدها مصادر رسمية مصرية، لمحت إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لا يفكر في صيغة المؤتمر الدولي مطلقاً، وجُل اهتمامه محصور في 4 مسائل؛ الأولى متابعة ترسيخ جهود التطبيع مع الدول العربية التي بدأت تلك المسيرة مؤخراً، والثانية تنشيط العلاقة مع القاهرة، وتحويل التطبيع البارد معها إلى دافئ يسمح باستثمارات اقتصادية مشتركة وتفاعلات شعبية وأخرى رسمية بدون عوائق وقيود، وثالثاً متابعة مصير حكومة الوحدة الوطنية التي يرأسها مع غانتس، ولا سيما احتمالات الدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة بسبب الإخفاق المحتمل في تمرير الموازنة العامة 2021. والرابعة وهي الأهم تقريباً، تتمثل في كيفية إدارة العلاقة مع الرئيس المنتخب بايدن، بحيث لا تقع أزمة شبيهة بما حدث مع إدارة الرئيس أوباما في ولايته الثانية من جهة، والتحرر من الرغبة في إسقاط إرث الرئيس ترمب بالنسبة لإسرائيل من جهة ثانية، ولا سيما ما يتعلق بالقدس والجولان والمستوطنات، فضلاً عن تبني خطة صفقة القرن أو على الأقل أقسامها التي لم تُفعل بعد على الأرض.

المقارنة البسيطة بين الاهتمامات الفلسطينية وطموحاتها تجاه إدارة بايدن المنتظرة، مقارنة بنظيرتها الإسرائيلية، تظهر أن الهوة بين الموقفين ما زالت واسعة جداً، وأن الجانب الفلسطيني الذي أدار حوارات غير رسمية مع أعضاء في فريق بايدن الانتقالي لا يطمح إلى تغييرات كبرى في السلوك الأميركي، ولا سيما حثّ تلك الإدارة على تبني صيغة المؤتمر الدولي وفقاً للمفهوم الفلسطيني، وفي أفضل الأحوال تبني صيغة تفاوضية محددة المدة تتعلق بتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة. بينما الجانب الإسرائيلي يركز على البدء من حيث انتهت حقبة الرئيس ترمب وترسيخ كل إنجازاتها الإسرائيلية، وعدم الاندفاع نحو جهود تفاوضية مع الفلسطينيين تحت أي مسمى كان.

واقعياً واستناداً إلى علاقة التحالف الأميركية الإسرائيلية بأبعادها التاريخية والآيديولوجية والاستراتيجية، فإن انتظار ضغوط أميركية ولو غير منظورة على رئيس الوزراء نتنياهو لغرض تسهيل التوصل إلى صفقة تفاوضية كبرى على قاعدة حل الدولتين التي يؤيدها بايدن يبدو ضرباً من الخيال ولا يستند إلى أسس واقعية مُحكمة. وكما أن نتنياهو يميل إلى استقطاب إدارة بايدن وتعزيز الحوار معها وتجنب صراع علني معها، فالمتصور أن بايدن نفسه يميل إلى هذه الصيغة التي تسمح بوجود خلافات جزئية لا تؤثر على علاقات دافئة ومرنة في الآن نفسه. وفي كل الأحوال، فإن انتظار تحركات أميركية فاعلة فلسطينياً يتطلب بعضاً من الوقت، ربما لا يقل عن 6 أشهر، أي حتى نهاية يوليو (تموز) العام المقبل، وقد تتأخر أي جهود أميركية لغرض تفعيل الاتصالات التفاوضية الفلسطينية الإسرائيلية لفترة أطول، في حال حل الكنيست الإسرائيلي نفسه، ودخلت إسرائيل في دوامة الانتخابات، ثم تشكيل حكومة جديدة من الصعوبة ترجيح تكوينها وبرنامجها السياسي حالياً. وكالمعتاد سيكون ردّ إسرائيل على أي مطالب أميركية؛ فلننتظر الانتخابات وما بعدها.

فترة الانتظار لما سيحدث إسرائيلياً ثم أميركياً يمكن استثمارها فلسطينياً لصالح عقد مصالحة حقيقية بين المكونات الفلسطينية، تتضمن برنامج عمل يتعلق بإمكانات التفاوض المحتملة وشروطها، وبما يدعم المفاوض الفلسطيني ويذود عنه ويحول دون تقديم تنازلات غير مرغوبة. والأفضل نظرياً وعملياً أن تتم تلك المصالحة الآن، وليس بعد 20 يناير المقبل.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة