النساء يقدن التقدم في تطوير اللقاحات

النساء يقدن التقدم في تطوير اللقاحات

الثلاثاء - 22 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 08 ديسمبر 2020 مـ رقم العدد [15351]

يوضح التاريخ القديم للقاحات هيمنة الرجال على هذا المجال؛ لكن بدأت النساء في قيادة خطى التقدم بمجال العلوم الذي يحقق حالياً نتائج مذهلة. ويكمن في طيات هذا الأمر درس عن توظيف المواهب وحسن استغلالها.
فلننظر في تاريخ لقاح «إم آر إن إيه»، الذي يمثل الأساس التكنولوجي لكل من لقاح «موديرنا» و«فايزر - بيونتيك»، وهما أبرز لقاحين منافسين للولايات المتحدة. لتبسيط الأمر يمكن القول إن لقاحات «إم آر إن إيه» تعلّم الخلايا كيفية إنتاج بروتين يحفز استجابة الجهاز المناعي، عوضاً عن حقن الشخص بفيروس حي أو ميت. إذا تم هذا الأمر بطريقة صحيحة، ستكون عملية تطوير وإنتاج اللقاح أسرع، وسيكون اللقاح أكثر أماناً، وأسهل في التصنيع على نطاق واسع. كذلك يمكن تعديل وتطوير هذا اللقاح بحيث يقاوم فيروسات أخرى إضافة إلى فيروس «كوفيد - 19»؛ ويمكن أن يكون لمنتجات «إم آر إن إيه» استخدامات أخرى مثل المساعدة في علاج المشكلات والأمراض الجلدية.
من المساهمين في العمل والجهد الأساسي، الذي أثمر ذلك النهج، كتالين كاريكو، وهي مهاجرة مجرية الأصل انتقلت إلى الولايات المتحدة للعمل على أبحاث متعلقة بالحمض النووي الريبوزي «آر إن إيه». ومرت كتالين في مسيرتها المهنية بمصاعب من بينها مشكلات تتعلق بتوفير المال اللازم لإجراء الأبحاث، إلى جانب الإصابة بالسرطان، لكنها صمدت وثابرت وواصلت العمل؛ وانتهى بها المطاف إلى العمل مع درو وايزمان، وتمكنا معاً من اكتشاف كيفية حقن البشر بالمادة المكونة لذلك الحمض من دون إحداث التهاب كبير، وهو ما كان يمثل حاجزاً جوهرياً يعرقل تحقيق أي تقدم في هذا الصدد. كذلك عملت كاريكو مع شركة «بيونتيك» الألمانية الناشئة، التي أسسها كل من أغور شاهين وأوزليم توريجي، وهما زوجان آباؤهم كانوا أتراكاً يعملون في ألمانيا.
وهناك لقاح آخر من شركة «نوفوفاكس» في غايثرسبيرغ بولاية ميريلاند. لم يتم نشر النتائج الخاصة بهذا اللقاح بعد، لكن يُقال عنه إنه واعد كثيراً. ويقوم هذا اللقاح أيضاً على أفكار جديدة من خلال الاستعانة بنظام خلوي غير اعتيادي لحشرة العثة، وذلك بهدف إنتاج بروتينات سريعاً، وبطريقة مبتكرة للغاية. تقود فريق العمل في شركة «نوفوفاكس» نيتا باتيل، وهي مهاجرة من ولاية غوجارات في الهند؛ ويُعرف فريقها بأنه «نسائي» بالكامل. ونيتا من أسرة فقيرة، تُوفي والدها بسبب مرض الدرن حين كانت في الرابعة من عمرها، وكثيراً ما كانت تتسول أجرة الحافلة.
العامل المشترك في المشهد هنا هو أن أكثر من يعملون على إنتاج اللقاح هم أشخاص قادمون من الخارج، حيث كانت للنساء والمهاجرين أدوار بارزة في أوقات حرجة. على سبيل المثال تولت ليزا جاكسون قيادة المرحلة الأولى من تجربة شركة «موديرنا» في جامعة واشنطن. والجدير بالذكر أن أحد مؤسسي الشركة ورئيسها هو نوبار أفيان، وهو مهاجر أيضاً وُلد في لبنان، وهاجر أبواه إلى كندا، ثم سافر هو بعد ذلك إلى الولايات المتحدة.
ربما يصبح التطور السريع لكل تلك اللقاحات المذكورة أكبر تقدم علمي خلال عقود بقيادة أشخاص لم يكونوا ليحظوا بفرص حقيقية جيدة في حقبة أخرى غير تلك التي نعيشها. ويمثل هذا تقدماً كبيراً، وحقيقة موقظة للوعي، وفي الوقت ذاته تحذير بشأن المستقبل. لا تحظى النساء بأدوار بارزة في مجال الأعمال والمجال الأكاديمي، وغيرها من المجالات العلمية على النحو الذي تحظى به الآن في مجال تطوير اللقاحات. وبالنظر إلى إسهام النساء في تطوير اللقاحات خلال العام الحالي، سيكون من الجيد التفكير في التأثير الذي يمكنهن إحداثه في مجالات أخرى.
لا يقوم الجدل هنا بشأن مسألة قدرة المرأة على تحقيق نتائج مثل تلك التي يحققها الرجل أم لا. ربما تكون هناك أسباب لاتجاه النساء الموهوبات بشكل أكبر إلى مجال تطوير اللقاحات مقارنة بمجالات أخرى. مع ذلك الأثر الحالي غير المسبوق للنساء في هذا المجال يعني أن هناك جهوداً ومحاولات أخرى تهم المجتمع يمكن أن يكون إسهام النساء فيها بشكل أكبر نافعاً كثيراً.
وتوضح مسألة اللقاحات في القرن الحادي والعشرين أمرين: الأول هو أن المجتمع قادر على القيام بما هو أفضل في أمر توظيف المواهب وحسن استغلالها، وجني ثمار مشابهة في مجموعة متنوعة أكبر من المجالات؛ والأمر الثاني هو أنه من الممكن علاج مشكلة سوء توظيف المواهب إذا ما أردنا ذلك، وعزمنا على اتخاذ الخطوات اللازمة.
إذا كنت تبحث عما يبعث في النفس الأمل في خضم ملايين من التجارب والقصص المأساوية الناتجة عن فيروس «كوفيد»، فستكون هذه النقطة جيدة كبداية.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة