«صير بني ياس» الحادي عشر

«صير بني ياس» الحادي عشر

السبت - 6 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 21 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [15334]
محمد الرميحي
مؤلّف وباحث وأستاذ في علم الاجتماع بجامعة الكويت.

في عالم مرتعب من وباء كاسح وكمٍّ من الأخبار الكاذبة وحروب أو تهديد بحروب، وفوضى دولية غير مسبوقة، عليك الاستماع إلى نوع من الخبراء وبمنهجية مختلفة، ذلك ما يوفره منتدى «صير بني ياس» السنوي الذي تنظمه وزارة الخارجية الإماراتية. قواعد حضور المنتدى خاضعة لمبدأ أخلاقي وعملي «ألا ينسب لقائل قول» مع السماح بمناقشة علنية للأفكار التي طرحت.. هنا أقدم فهمي الشخصي لما طرح مضافاً إليه بعض الاجتهاد. فعلى مدى ثلاثة أيام (بين 13 و15 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي) دار النقاش عن بُعد في المنتدى السنوي الذي يحمل بصمة «الفرادة» حول خمسة محاور حيوية، وهي في اليوم الأول «مستقبل السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط»، ثم «كيف سيؤثر وباء كورونا على الأزمات الشرق أوسطية»، وفي اليوم الثاني «العراق.. الاستقرار والدور الإقليمي»، ثم «إيران وتركيا والعالم العربي»، وفي اليوم الأخير «ماذا يعني الاتفاق الإبراهيمي للإقليم»؟ أهمية النقاش كما أسلفت تأتي من ثلاثة؛ توقيته، والعالم في حالة فوضى وعدم يقين واهتزاز الثوابت، المشاركون فيه وهم إما مسؤولون حاليون على المستوى الدولي، أو سابقون أو مرشحون لدور مستقبلي أو خبراء، والثالث منهجيته التي تتيح أن يقدم المتدخل (المحاضر) رأيه بحرية تامة وشفافية، حيث لا يُنقل على لسانه شيء محدد. بعد هذه المقدمة، فإن الحاجة إلى الدخول في الموضوع مع استئذان القارئ أني سوف أعرض لبعض المحاور وليس كلها لضيق المساحة.
مستقبل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط هي جزء من استراتيجية أوسع محتملة تعتمد على إصلاح التصدع الدولي الذي أحدثته الإدارة السابقة، وهو تصدع أفقد الولايات المتحدة المبادرة في الكثير من الملفات. الإدارة الجديدة تحتاج إلى تحالف دولي واسع لمحاربة الوباء، وهو أولوية أميركية وإنسانية، ومواجهة الحرب السيبرانية ذات المردود السلبي على الأمن الوطني لعدد كبير من الدول، وعلى إنعاش الاقتصاد، والعودة لاحترام التحالفات مع الدول الصديقة والسماع منهم بتواضع ومن دون تشنجات، وإتمام مراحل الانسحاب العسكري إن لزم الأمر مع استمرار التواصل الدبلوماسي، وتشجيع التحالفات البينية على قاعدة «إن عليكم الاعتماد على أنفسكم». روسيا وتركيا وإيران سوف تظل تهديداً مباشراً أو غير مباشر لأمن المنطقة، فتدخل روسيا في عدد من الملفات، وخاصة في سوريا، يزيد الأمر سوءاً من دون أفق لإنهاء تلك المأساة الإنسانية والوطنية، وسياسة تركيا في التوسع و«التنمر» في المحيط مقلقة، وصواريخ إيران وبرنامجها النووي وتدخلها في اليمن وأماكن أخرى يشجع على عدم الاستقرار، بجانب تدني حقوق الإنسان والحريات العامة، أما النظر خلف الأفق، فإن الاحتمال الأكبر أن لا حروب مباشرة عبثية، والتشجيع على تعاون إقليمي أوثق؛ فالإقليم الشرق الأوسطي هو من الأقاليم القليلة الأقل تعاوناً والأكثر صراعاً على مستوى العالم. وعلى المستوى الفلسطيني، فإن حل الدولتين هو المطروح ويحتاج إلى «كسر قواعد اللعبة السابقة» بالعودة إلى المفاوضات، الرغبة الأميركية في أن يكون هناك شرق أوسط أمن ودول قوية قادرة أن تدافع عن نفسها ومساهمة مع العالم في نشر السلام.
الاستقرار في العراق: واضح من اختيار الموضوع أن العراق حجر زاوية للاستقرار في المنطقة؛ فهو يجاور ست دول محيطة به يؤثر ما يحدث فيه على هذه الدول، كما أن التدخل الإيراني في العراق أصبح مقلقاً ومهدداً للأمن الإقليمي برمته، والوضع الداخلي مترع بالفساد والإرهاب معاً، وتحاول القوى الحية العراقية بتعدد اجتهاداتها أن تتخلص من تلك الهيمنة، إلا أن ذلك ليس سهلاً؛ فقد زرعت إيران أذرعاً لها في العراق على شاكلة ما تعتقد أنه مثال ناجح في لبنان (حزب الله)، وبقاء تلك الأذرع فاعلة يتطلب أن تكون الدولة ضعيفة. ما قامت به الحركة الشعبية في العام الماضي من احتجاجات على الوضع القائم، أنتج جزئياً حكومة جديدة، إلا أن البعد الآخر هو تهديد «داعش»، وهو تهديد أخطر مما يعرف البعض؛ فهذا التنظيم من حيث الأعداد والعسكرة والقدرة على التجنيد ونوع الأسلحة وطريقة التواصل، يصبح تنظيم «القاعدة» بالنسبة له «من الهواة»! النشطاء السياسيون والمؤيدون لحكومة مصطفى الكاظمي يأملون في نتائج مختلفة من خلال تنظيم الانتخابات العامة المقبلة في يونيو (حزيران) 2021، وعلى قاعدة قانون انتخابي جديد فرضته الاحتجاجات العارمة وتنتج مجموعة من السياسيين مختلفين، أخذاً بأن 70 في المائة من الشعب العراقي دون سن 30 عاماً، كما تأمل هذه القوى أن يقدم تعديل في بعض مواد الدستور يحقق استقلال العراق واستقراره؛ فهو يحتاج إلى «نظام جديد» يختلف عن النظام القديم الذي تكوّن بعد الملكية في العراق.
إيران وتركيا والعالم العربي: على الرغم من اختلاف فلسفة النظامين فهما يتسمان بسمتين مشتركتين؛ تركيز السلطة في الداخل، والعودة إلى التشدد الأصولي ذي الجذر «الإمبراطوري» في الخارج، ويعتبران أن فرص التوسع لنفوذهما متاحة في الجوار العربي، وفي محاولة للابتعاد عن أزمات الداخل يستخدم الاثنان تقريباً الوسائل نفسها، مع اختلاف في الأولويات، وشجعهما على ذلك السلوك، عدم وضوح السياسة الأميركية من جهة، وفتور الاهتمام الدولي، وخاصة الغربي من جهة أخرى، وضعف في الصف العربي من جهة ثالثة، كما أن الاثنين يشجعان جيشاً من «الذباب الإلكتروني»، وحتى محطات التلفزة لمحاولة إحداث خلل في النسيج الاجتماعي والتدخل في كل شاردة وواردة، ولعل المثل الأوضح في تهديد تركيا لدولة الإمارات منذ فترة بسحب سفيرها بسبب العلاقات مع إسرائيل وهي تتمتع بأفضل العلاقات الاقتصادية والأمنية والعسكرية منذ نصف قرن على الأقل! تصلب القيادتين التركية والإيرانية يجعل الحوار معهما «حوار طرشان» يسمع ما يريد أن يسمع، ويتجاوز ما لا يريد حتى لو كانت حقائق على الأرض؛ فهما بدرجات مختلفة مهددان للأمن الإقليمي، وقد تأتي الانتخابات الرئاسية المقبلة في إيران في يونيو 2021 بما أتت به نتائج الانتخابات البرلمانية في فبراير (شباط) 2020، أي بقوى التشدد ونهاية ما يعرف بالإصلاحيين! مما يزيد احتمالات التصعيد في الجوار.
الوفاق الإبراهيمي: بالاتفاق الإبراهيمي قامت دولتان خليجيتان (الإمارات والبحرين) ومعهما السودان بمغادرة مقاعد المتفرجين، حيث لم يكن بالإمكان التأثير على نتائج اللعبة إلا بالنزول إلى الميدان، وهو أمر قلب المعادلة السلبية السابقة في المنطقة؛ مما يفتح خيارات للمستقبل، وخاصة للقيادات الفلسطينية بإعادة الاشتباك الذي بدأته مسيرة «عرافات - رابين» السلمية في وسط التسعينات الماضية مستعينة بقبول أكثر لدى الجمهور الإسرائيلي للسلام، كما يؤسس للحوار والسلام بدلاً من الصراع والحروب في المنطقة، وقد شهدت المنطقة كيف أفادت العلاقات الإسرائيلية - الأردنية والمصرية جزئياً في تذليل العقبات ومنع تصاعد المواجهة والبناء على ذلك، إعادة الاشتباك ظهرت في عودة التنسيق الأمني الفلسطيني - الإسرائيلي.
خلاصة الندوة كما بدت لي هي محاولة جادة للنظر في تغيير قواعد الاشتباك، والتماس طرق لبناء الثقة في عالم «تسوده الفوضى والشعبوية»، وإذا كان هناك من مبتدأ فهو بناء صف عربي قادر على منع التدخل الخارجي وتمتين حزام السلام؛ فالحروب لا رابح فيها.
أخر الكلام:
السياسيون الفاشلون والشعبويون أفضل من يحوّل الفرص إلى مشاكل!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة