داود الفرحان
حاصل على بكالوريوس الصحافة من جامعة بغداد عام 1968. نائب نقيب الصحافيين العراقيين لثلاث دورات، الأمين العام المساعد لاتحاد الصحافيين العرب. مدير «مركز المعلومات والبحوث» في وزارة الثقافة والإعلام العراقية. معاون المدير العام لوكالة الأنباء العراقية. المستشار الإعلامي للسفارة العراقية في القاهرة (1989 - 1990). كاتب عمود صحافي في الصحف العراقية منذ عام 1966، وكاتب عمود في مجلات: «المجلة» السعودية، و«الأهرام العربي»، و«الصدى» الإماراتية، و«اليمامة» السعودية، و«التضامن» اللندنية. رئيس تحرير صحف ومجلات عراقية أسبوعية عدة ومؤلف لعدد من الكتب.
TT

من «أم المعارك» إلى «أم القنابل»

يختلف الجمهوريون والديمقراطيون في كل شيء داخل الكونغرس الأميركي وخارجه إلا في قضية واحدة هي دعم إسرائيل وتزويدها بأحدث وأذكى الأسلحة التدميرية. يتبارى نواب الحزبين في قراءة قصائد «الغرام والانتقام» كلما ناقش الكونغرس مشروع قانون لتزويد إسرائيل بالأسلحة المتطورة، حتى لو اقتضى الأمر تعديل أي قوانين تمنع بيع هذه الأسلحة إلى أي دولة خارج الولايات المتحدة. وأفتح هنا قوساً كبيراً حول كلمة (بيع) لأن واشنطن (لا تبيع) أي أسلحة أو مستلزمات عسكرية لتل أبيب، وإنما تستقطع كلفتها من المنحة الأميركية المالية السنوية المقررة لإسرائيل والبالغة 3,3 مليار دولار. وهي مساعدة لضمان تفوقها العسكري على أعدائها الحاليين و«المحتملين». وهذا الرقم لا يشمل المساعدات المالية المجانية التي لا علاقة لها بقضايا الدفاع العسكري مثل إعادة توطين المهاجرين واللاجئين اليهود في إسرائيل وإنعاش الاقتصاد الداخلي عن طريق سندات مدعومة من الولايات المتحدة.
والمساعدات الأميركية المالية الضخمة لإسرائيل لم تتوقف عاماً واحداً منذ تأسيسها في عام 1948، ودائماً تضع واشنطن في حساباتها أن تكون الأسلحة المهداة إلى حليفتها المدللة تضمن تفوقها العسكري الهجومي والدفاعي على العرب مجتمعين لمدة لا تقل عن 20 عاماً، تتجدد دورياً.
لقد كان الرئيس الأميركي ترمب شاهداً على الاتفاقيات الأخيرة بين إسرائيل والإمارات والبحرين التي أطلقوا عليها تسمية اتفاقيات «السلام»، وهي تسمية غير دقيقة لغوياً لأنه لم تكن بين إسرائيل والإمارات والبحرين أي حرب في أي تاريخ ليعقبها سلام، والتسمية الواقعية والشائعة هي «التطبيع»، لكن هذا ليس موضوعنا. وقّع دونالد ترمب وثائق الاتفاقيات، وأعلن، قبل أن يجفّ حبر التوقيع، عن موافقته على تسليم «القنبلة الذكية» الأميركية لإسرائيل. وهذه القنبلة تحمل تسمية «أم القنابل» وهي تسمية مستوحاة من «أم المعارك» وهو اللقب الذي أطلقه الرئيس العراقي الراحل صدام حسين على حرب عام 1991. وقال الإعلام الأميركي إن هذه القنبلة غير النووية تستطيع تدمير أقوى وأضخم المواقع تحت الأرض. إلا أن حاييم أسا، مستشار الأمن القومي لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين، صرح بأن تسليم هذه القنبلة «غير واقعي» اليوم لأنه لا توجد في إسرائيل طائرة قادرة على حملها. وكلام المستشار صحيح، إلا أن ذلك ليس مشكلة، فمن السهل موافقة الكونغرس بأعضائه الجمهوريين والديمقراطيين بلا أي اعتراض أو مناقشة على (بيع) الطائرة «إف 22» لإسرائيل، وهي الوحيدة التي بإمكانها حمل القنبلة الذكية الأسطورية التي يصل وزنها إلى 14 طناً. ولغرض منع أي اعتراض عربي أو غير عربي سَرّب البنتاغون ما معناه «أن (بيع) هذه القنبلة سيكون تعويضاً لإسرائيل عن بيع محتمل لطائرات (إف 35) للإمارات»، علماً بأن تل أبيب تملك 20 طائرة «إف 35».
وكانت صحيفة «إسرائيل اليوم» اليمينية الإسرائيلية قد كشفت وجود «قائمة تَسَوّق» لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قدّمها للرئيس الأميركي بعد توقيع اتفاقيات «التطبيع» للحصول على أسلحة بقيمة 8 مليارات دولار تتضمن طائرات شبحية وقنابل تخترق التحصينات تحت الأرض. وكانت تل أبيب تأمل موافقة واشنطن على هذه الطلبات قبل موعد الانتخابات الأميركية اليوم.
وأعود معكم إلى «أم القنابل»، فقد قدم الحزبان الجمهوري والديمقراطي طلباً لتغيير القانون الذي يمنع بيع هذه القنابل الأسطورية لدول أخرى، بحيث يستثني إسرائيل منه للحفاظ على تفوقها النوعي. ومن مزايا القنبلة الذكية هذه واسمها (GBU – 57) أنها تستطيع اختراق عمق يصل حتى 60 متراً تحت سطح الأرض. ومع أن مسؤولين إسرائيليين سابقين أعلنوا أن الطائرات الموجودة حالياً في إسرائيل لا تستطيع حمل ثقل هذه القنبلة، غير أن قناة «العبرية 12» أعلنت على موقعها الإلكتروني أن لدى إسرائيل فعلاً طائرات «هيركليس» يمكنها حمل هذه القنابل؛ إذ سبق أن حاز الجيش الإسرائيلي قنابل ثقيلة من نوع (GBU – 28) لضرب المواقع المحصنة في صفقة سرّية تعود إلى عام 2009، إلا أنها أقل قوة وغير قادرة على ضرب مواقع مثل مفاعل «فوردو» الإيراني في محافظة قم الذي تحميه الجبال الشاهقة. وقد أوردت الصحف مؤخراً أن طهران استأنفت إعادة إعمار المفاعلات التي تعرضت لـ«تدمير» أو «تخريب». وهو أمر لم يفعله العراق بعد قصف الطيران الإسرائيلي لمفاعل «تموز» النووي قرب بغداد في عام 1981 خلال الحرب العراقية – الإيرانية بواسطة 8 طائرات «إف 16» و«إف 15»، حيث أصابت 14 هدفاً بدقة من دون أن ينهار مبنى المفاعل المحصن جيداً. ويُذكر أن أحد طياري هذه المهمة واسمه إيلان رامون أصبح فيما بعد أول رائد فضاء إسرائيلي ضمن طاقم مكوك الفضاء الأميركي «كولومبيا».
وكانت الولايات المتحدة قد أطلقت في عهد الرئيس الحالي ترمب «أم القنابل» على أفغانستان مستهدفةً الكهوف التي يستخدمها المقاتلون. وقالت في حينها صحيفة «نيويورك تايمز» إن استخدام الجيش الأميركي هذه القنبلة هو «نهج جديد في تعامل الولايات المتحدة مع الإرهاب».
وقبل ذلك في عهد بوش الابن، أعلن كولن باول رئيس هيئة الأركان وقتها، أن الجيش الأميركي استخدم ما يعادل 140 ألف طن من المتفجرات خلال حرب احتلال العراق، أي أن ما قذفته الولايات المتحدة على بلاد الرافدين خلال 19 يوماً كان يوازي 7 قنابل نووية من النوع الذي تم به ضرب هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين في الحرب العالمية الثانية. يا للجريمة الشنيعة! وطبقاً لأرقام صحيفة «ذي ديلي تلغراف» البريطانية فإن «فاتورة غزو العراق وصلت إلى ثلاثة تريليونات دولار أنفقتها الولايات المتحدة» بسخاء لتقدم، بعد انتهاء العمليات العسكرية، بلد الحضارات العريقة والكتابة المسمارية ومسلة حمورابي وحدائق بابل المعلقة والدولة العباسية المترفة، هدية لنظام الملالي الإرهابي المتخلف في إيران!