«كوفيد ـ 19» أكثر خطورة على كبار السن... ماذا بعد؟

«كوفيد ـ 19» أكثر خطورة على كبار السن... ماذا بعد؟

الاثنين - 10 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 26 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [15308]

غالباً ما يزعم المدافعون عن استراتيجيات «مناعة القطيع» أن مرض «كوفيد - 19» يُعدّ آمناً نسبياً على الشباب، وأن معظم ضحايا هذا الفيروس هم من كبار السن، وهذه الملاحظة صحيحة، ولكن السؤال هو: ماذا سنفعل حيال هذا الأمر، وغالباً ما يكون المعنى الضمني لهذه الملاحظة، سواء تم ذكره أم لا، هو أن الاستجابة للوباء يجب ألا تكون قوية للغاية، وذلك لأن الخسائر في الأرواح تُعدّ أقل مما تبدو عليه، وذلك لأنها تُقاس بأعمار المتوفين.
ويرى البعض أن هذه المناقشة تُعدّ غير مريحة ولكنها ضرورية، ولكن بمجرد أن تتحول المناقشة إلى السؤال حول أي الوفيات تُعدّ أكثر أهمية، فإن هناك أسئلة أخرى حول «كوفيد - 19» تبدأ في الظهور، وكلها تقريباً تدفع باتجاه تبني استجابة قوية للغاية تجاه الوباء؛ فعندما يهاجم الأعداء الأجانب أو مسببات الأمراض حياة الولايات المتحدة على نطاق ملحوظ، فإنه يجب أن يكون الرد قوياً للغاية.
ولنتأمل أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 التي أودت بحياة نحو 3 آلاف مواطن أميركي؛ فحينها قامت الولايات المتحدة برد فعل قوي للغاية تضمن فرض إجراءات أمنية جديدة في المطارات، وقمع عمليات غسل الأموال، وزيادة إجراءات المراقبة، وشنّ حربين، وصحيح أنه ليست كل هذه الاختيارات كانت حكيمة، لكنها مع ذلك تُعتَبر استجابة قوية للغاية.
وفي حال كان قد قُتل 3 أميركيين فقط بدلاً من 3 آلاف، وذلك على افتراض أن يوم الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، على سبيل المثال، كان عطلة في الولايات المتحدة، ولم يكن منفذو الهجوم على عِلْم بذلك، مما يجعل عدد العاملين في الأماكن التي تم استهدافها أقل؛ فحينها لن تكون الاستجابة المثالية مختلفة تماماً عما تم إجراؤه بالفعل، فصحيح أنه كان هناك كثير من الضحايا في هذه الهجمات، لكن اختطاف العديد من الطائرات بشكل وقح وقيادتها باتجاه مبانٍ شهيرة رئيسية في الولايات المتحدة، وتعرُّض مبنى وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) للقصف، وتعرُّض مبنى مجلس النواب الأميركي (الكونغرس) أيضاً للتهديد ذاته، كلها أمور مهمة أيضاً.
فالحكومات التي لا تستجيب لمثل هذه الهجمات سرعان ما تجد نفسها خارج الخدمة؛ فمن خلال عدم الاستجابة بشكل مناسب، فإنهم لا يدعون إلى مزيد من الترهيب فحسب، بل يفقد مواطنوهم ثقتهم في قدرة الحكومة على الحفاظ على النظام العام أو على تشكيل مستقبل الأمة؛ فقد يكون نظام الحكم الأميركي بأكمله على المحك في الطريقة التي كان سيتم الرد بها على أحداث 11 سبتمبر (أيلول).
وعلى النقيض من ذلك، يموت نحو 3500 أميركي كل عام في حوادث الحرائق، وللتكرار: هذا الأمر يحدث كل عام، ومع ذلك فإن الأميركيين لم يكن رد فعلهم على مَن قُتلوا في الحرائق مثل رد فعلهم على أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، كما أن هذه الحوادث لم تتبعها مناقشات عامة كبيرة.
ولكي نكون واضحين، فإنه ربما يتعين على الولايات المتحدة بذل المزيد من الجهد للحد من عدد الوفيات الناجمة عن الحرائق، لكن هذه الحوادث لا تهدد الأمة ولا النظام الدستوري بالطريقة التي تهددها بها الهجمات الإرهابية، فالكيفية التي يموت بها الناس هي أمر حاسم في مساعدة الأمة والمجتمع على توسيع نطاق استجابتهم، وعلى وضع إطار النقاش لما يجب القيام به.
ومن الواضح أن «كوفيد - 19» يشبه أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 أكثر مما يشبه العدد السنوي للوفيات الناجمة عن الحرائق؛ فهو يحتل العناوين الرئيسية في الصحف كل يوم، ويتسبب في ركود اقتصادي عالمي، ويعيد تشكيل السياسة العالمية وتوازنات القوى، ويتسبب في ضغوط شديدة لملايين الأشخاص، فضلاً عن أنه قد أضرَّ بسمعة أميركا العالمية بشكل كبير، وصحيح أنه كانت هناك بعض ردود الفعل المبالغ فيها التي يحركها القلق، ولكن استجابة البشر بشكل قوي لوباء عالمي كبير تُعد أمراً حتمياً.
ومن المؤكد أن عدد الضحايا الأميركيين بسبب الوباء يُعدّ مرتفعاً للغاية، حيث بلغ 220 ألف شخص، والعدد ما زال في ازدياد، لكن الحدث نفسه يبدو كارثياً للغاية لدرجة أن التقليل من عدد الوفيات بالقول إن العديد من الضحايا هم من كبار السن هو أمر لا يُحدِث فرقاً كبيراً من حيث صياغة الاستجابة المثلى للوباء.
وعلاوة على ذلك، فإنه من المحتمل عودة فيروسات «كورونا» مرة أخرى، وهذا سبب إضافي للاهتمام بالاستجابة لـ «كوفيد - 19» الآن، ولنأخذ مثالاً آخر؛ فأثناء اندلاع مرض سارس في 2002 - 2003، تُوفّي 774 شخصاً في جميع أنحاء العالم، ولم يكن أي منهم في أميركا، وقد كان أداء البلدان التي أخذت هذا الفيروس على محمل الجد، مثل كوريا وتايوان وكندا، على سبيل المثال، لا الحصر، أفضل بكثير خلال الأزمة الحالية، حيث استطاعت هذه الدول تطوير العديد من أفضل الاستجابات الطبية الحيوية، بما في ذلك اللقاحات والأجسام المضادة، من خلال استجاباتها الجدية للأوبئة السابقة.
ولنفكر في شيء أخير (غريب نوعاً ما): تخيل أن أحد أعداء الولايات المتحدة طالب بتسليم 100 مواطن أميركي يبلغون من العمر 90 عاماً كل عام من أجل إعدامهم، فبالطبع أميركا سترفض الأمر، وحينها لن يكون عمر الضحايا عاملاً في اتخاذ هذا القرار.
ولطالما كانت الأوبئة أحداثاً غيّرت الحضارات منذ بداية تاريخ البشرية ولا تزال كذلك، خاصة إذا لم تستجب الدول بالشكل الصحيح. إن الحاجة إلى تبني رد فعل صحيح وليس النظر إلى القيمة النسبية للشباب بالنسبة لكبار السن هو الشيء الرئيسي الذي يجب أن نكون مهووسين به الآن.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة