شهادة للتاريخ... موجعة ولكنها الحقيقة!

شهادة للتاريخ... موجعة ولكنها الحقيقة!

السبت - 23 صفر 1442 هـ - 10 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [15292]

في فيلم وثائقي من ثلاثة أجزاء عرضته قناة «العربية»، تحدَّث فيه الأمير بندر بن سلطان، رئيس الاستخبارات السعودية السابق، عن موقف السعودية من عملية السلام في الشرق الأوسط. ظهور الأمير متحدثاً بالتفاصيل الدقيقة لم يكن محض صدفة، بل مقصود وله دلالة ورسائل عدة، خاصة أنه كان شاهداً على أحداث مهمة. عُرف عنه ابتعاده عن الأضواء، إلا أنَّ حديثه أثار موجة من ردود الأفعال فكان استثنائياً وعكس وطنيتَه بامتياز، بدليل أنَّه عندما أحسَّ بأجواء التخوين والفبركات والتحريض ضد بلاده ودول الخليج لم يتردد في الخروج ليضع النقاطَ على الحروف، ويروي الحقائق التي كان جزءاً منها.
المكاشفة جاءت جريئة وصريحة وبعيدة عن التشويه والمزايدات، وفي لحظة تاريخية تمرُّ فيها المنطقة لا سيما بعد الاتفاقيات التي أبرمت بين إسرائيل وبين دولة الإمارات ومملكة البحرين. الحلقات ركَّزت على ملف يحمل في جعبته حساسية كبيرة عند البعض، وعادة ما ينحو الحديث فيه نحو العاطفة والحماسة والمجاملة والتبرير على حساب المنطق والعقل والمصلحة. غير أنَّ حالة التخدير التي تعيشها الشعوب باستخدام الشعارات وسطوة القضية يفترض ألا تستمر؛ لأنَّها باتت تُستخدم كفزاعة وورقة ابتزاز ضد أي دولة لها سيادة واستقلالية تفكر في مصالحها؛ ولذا ما أنبأ به الأمير كان كالصدمة الكهربائية التي أيقظت الكثيرين من الغيبوبة، خصوصاً والوعي المجتمعي لم يعد كما كان، بل زادت جرعته المعرفية، وبالتالي عقلانيته وبراغماتيته.
وممَّا يدلل على حرص السياسي المخضرم وليقطع الطريق على المتفذلكين والمفبركين أنه أنشأ على الفور موقعاً على الإنترنت وأرفق به كل الوثائق والخطابات والأدلة التي تؤيد رؤيته وتحليلاته، وتدعم كل ما ذكره في حديثه التلفزيوني. نصيحة واقعية ونهج عملي يقدمه الدبلوماسي بندر للساسة والمثقفين والنشطاء، ولكل من يدافع عن قضية عادلة: لا تتحدث عن مسألة ما علناً إلا وتستند إلى رصيد من الأدلة والبراهين لأجل دقة المعلومة ومصداقية الطرح. من لديه حب الفضول في معرفة المزيد لإبعاد هذه الشخصية وصولاتها وجولاتها وحياتها فعليه أن يقرأ كتاب «الأمير» لزميله ويليام سيمبسون.
منذ عقود وأهل الخليج والسعوديون تحديداً يتعرضون لسيل من الإساءات والتخوين وحرق الصور والتجريح من شرائح معينة في الشام وفلسطين، رغم الدعم اللامحدود التي قدمته تلك الدول على الصعد كافة. أصبح خروج أحدهم في وسيلة إعلامية ليبث سمومه تجاه أهل الخليج أمراً ليس بالجديد ولا يعنينا كثيراً؛ كونه يعبر عن وجهة نظر حاقدة أو أنه مرتزق مدفوع من جهات الكل يعرفها، ولكن لك أن تتخيَّل قيادات فلسطينية تجتمع في لقاء رسمي بحضور الرئيس الفلسطيني لمناقشة أمر يتعلق بسيادة دولة خليجية في علاقاتها الخارجية، وهو أمر مستهجن ومستغرب ويبثه التلفزيون الرسمي، وينبري البعض منهم منتقدين دول الخليج ويسيئون إلى أهلها بلغة تحريضية نابية في حضور الرئيس وكأنه لا يمانع في تمريرها. وإن كانوا هؤلاء لا يمثلون كل الفلسطينيين، ففيهم الشهم والكريم والعروبي، ولكن هذه فئات محسوبة ومنتمية آيديولوجياً وسياسياً إلى دول معينة وجماعات حزبية.
سرد الأمير قصته بشفافية مرتهناً للإنصاف والشجاعة، كاشفاً عن الأحداث والمواقف وما قدمته بلاده منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز إلى عهد الملك سلمان، وهي مواقف متنوعة وداعمة، وكثير منها لا أحد يعلم عنها، منها السياسي والعسكري والاقتصادي والمالي والإنساني. الكلام لم يكن مرسلاً، بل كان حديثاً رصيناً موزوناً موثقاً وصادقاً، خاطب فيه جيل الشباب في بلاده ليكونوا على بيّنة مما حدث ويحدث في منطقتهم، وكذلك مصارحاً الشعب الفلسطيني الشقيق الذي عانى كثيراً من تعنت قياداته.
الأمير في مكاشفته تحدَّث بمرارة وحرقة وألم عن تعامل أصحاب القرار في القضية الفلسطينية، وتهربهم من مقترحات الحل ليخذلوا شعبهم، مهدرين فرص السلام الواحدة تلو الأخرى، ومع ذلك أكد أنَّ هذا الشعور المؤلم لا يفسر بأنه تخلٍ عن القضية، بقدر ما هو محاولة لكشف وفضح ممارسات من عرقل مشاريع حلولها؛ فالقيادات الفلسطينية لا تريد حلاً؛ لأنَّ ذلك يعني فقدانهم المنافع والمصالح والمزايا التي يجنونها من وراء القضية.
ضياع الفرص المتكرر، وبالتالي ضياع الحق الفلسطيني كما يقول الأمير، سببه أصحاب القضية الذين لديهم قضية عادلة، ولكنَّهم في نظره «محامون فاشلون»، بعكس الإسرائيليين فقضيتهم «غير عادلة»، إلا أنهم برأيه كانوا «محامين ناجحين». ومع ذلك، اللافت هو في ثبات الموقف السعودي الصامد والمساعد في كل الأحوال رغم ما يبدر من قياداتهم من حين إلى آخر، إلا أنَّ ما يشغل صاحب القرار السعودي وما زال هو الشعب الفلسطيني.
حقائق دامغة تخرجُ بها من حديث الأمير بندر، بدءاً بحجم الدعم الخليجي والسعودي تحديداً للقضية، بحيث إنه لا يمكن مقارنته بأي دولة أخرى. تبيَّن أيضاً نكران وجحود قيادات فلسطينية وتلونها وعدم التزامها بوعودها، والأدلة كثيرة؛ ما يثير تساؤلاً حارقاً وصارخاً عمَّا إذا كانت فعلاً جادة في حل الصراع، أم إنها ترغب في بقاء وجمود الوضع كما هو لأنَّ لها فيه مصلحة؟ أما استمرار ضياع الفرص في حل القضية الفلسطينية فهو منذ عقود بدليل أن كل مشروع ومقترح يطرح حلاً يجد الرفض المعلن من قبل القيادات الفلسطينية ويهاجمونه وعندما يرفع من الطاولة تجدهم يستجدون الجميع في إعادته وقبوله، وكما وصفه الأمير سلوك يتكرر ثم يتكرر ولا من مخرج سوى التكرار.
المأساة أنهم يرفضون كل مقترح عقلاني ومنطقي، ويطبّلون ويصفقون لكل الشعارات الزائفة والخطابات العنترية والوعود الهلامية، كما فعلها القذافي وصدام حسين والأسد، وكما يفعلها النفعيون اليوم الذين يتاجرون بالقضية، مثل إردوغان وخامنئي ونصر الله ومرتزقتهم. قيادات فلسطينية للأسف تهاجم السعودية وفي الوقت ذاته تجدهم يزورون إيران، ونستحضر هنا ما قاله القيادي في «حماس» محمود الزهار من أن «طهران وحدها من تتولى دعم الحركات الفلسطينية، في حين باقي العالم الإسلامي الذي يشكل ثلث سكان العالم لا يقدم شيئاً». قد لا نستغرب مزايدات الزهار المعروف بولائه لنظام الملالي وله أن يهذي بما يشاء، ولكن ليس من حقه أن يغمط حق الدول العربية التي دعمت القضية.
طبعاً ما فعلته القيادات الفلسطينية هو سقطة بالتهجم على حكام دول الخليج وشعوبها، ويبدو أنها كشفت المستور، كما يقال، خصوصاً أنها ليست الأولى ولن تكون الأخيرة بطبيعة الحال. ولكن ألم تحن اللحظة ليفيقوا من غيهم؟ ألم يملوا من إمعانهم في مسلسل التخوين لأهل الخليج والهرب من فرص الحل؟ مواقف السعودية سجّلها التاريخ وموثقة وما ذكره الأمير بندر، غيض من فيض. منذ تسعة عقود وهذه الأرض وأهلها وقادتها لم يألوا جهداً في دعم القضية وشعبها. سجلات المنظمات الإقليمية والدولية بتنوعها، والأوامر الملكية، وبيانات مجلس الوزراء السعودي، والمنح والتبرعات والصناديق وغيرها مليئة بالقرارات التي تصب في صالح دعم القضية وشعبها. غير أنه وفي ظل ما نعيشه من المعطيات والظروف والمواقف والتحالفات والتوجهات التي اعتراها كلها شيء من التحول والتغير، إلا أن سلوك القيادات الفلسطينية ضدنا ما زال كما هو، والأدهى من ذلك باتوا يفضلون الزعامات غير العربية فيجاملونها ويتملقونها كما شاهدناهم في طهران وأنقرة تزلفاً واستجداءً وركوباً لموجة الشعارات البلهاء والمتاجرة الرخيصة. الموقف الخليجي الأخير في أبوظبي والمنامة ليس طارئاً، فهو موقف سيادي أولاً، ويعبّر عن نفسه وتضحياته ومعاناته الطويلة التي بذلها ولم يجد رد الجميل سوى الطعن في الظهر.
بعد سنوات طويلة من الصمت الخليجي وكظم الغيظ وتحمل الإساءات والاستفزاز وتلمس العذر لهم عند كل تجاوز من أجل القضية المصيرية الأولى التي بذلوا لها كل ما يمكنهم من تقديمه من جهد ومال وعلاقات وترتيبات، إلا أن الأمور وصلت حدها؛ فقد بلغ السيل الزبى، وكان من الطبيعي أن تبحث الدول عن مصالحها، لأن بقاء الحال على ما هو عليه فيه ظلم وغبن للخليجيين والعرب، وكذلك ظلم للشعب الفلسطيني الذي يستحق قيادة وطنية بعيدة عن الحزبية والأدلجة. لنكن صريحين، ما نلمسه هو حملة تضليل ممنهجة ضد السعودية ودول الخليج من خلال منظومتهم التعليمية والإعلامية، وليست مجرد هفوات أو تجاوزات لأشخاص تقدم السلطة الفلسطينية اعتذاراً رسمياً عنها من وقت لآخر. ورغم كل الدعم والمساعدات بالمليارات، فإن ثمة كراهية مؤدلجة يتم غرسها ضد دول الخليج؛ لأن توجه القيادات الفلسطينية الفكري بشكل عام مؤدلج ولا يتسق مع توجهات الدول الخليجية، والمصالح لديهم أهم من حل القضية وإنشاء وطن.
جيل الشباب العربي والخليجي جزء منه، وهو جيل الديجيتال لا يكترث بالانتماءات الآيديولوجية قومية كانت أم إسلاموية، ولم يعايش القضية الفلسطينية ويشعر بأن هذه المسألة ليست من أولوياته، ولا يقبل أن تمس كرامة قيادته وسمعة بلاده وكرامته، وبالتالي فمن هم في السلطة الفلسطينية اليوم ليس من مصلحتهم حلها فهم مستفيدون من النواحي كافة ببقاء هذا الصراع مع إسرائيل، وبالتالي من الصعب الثقة بهم.
هذه الشهادة اختصرت وقائع وخفايا 90 سنة وفندت المغالطات والتشكيك لمواقف دولنا الداعمة للقضية وكشفت متاجرة الفصائل الفلسطينية بها وإضاعتهم فرص الحل التي يصعب تكرارها، ولعل المرحلة الراهنة تقتضي تعاطياً مختلفاً يضع مصالحنا في المقام الأول مع استمرارية دعمنا الشعب الفلسطيني في قضيته.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة