«الممانعة»... تقود التطبيع!

«الممانعة»... تقود التطبيع!

الخميس - 21 صفر 1442 هـ - 08 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [15290]
حنا صالح
كاتب لبناني

كان ظريفاً جميل السيد، على غير عادته، عندما قدم رؤيته للمؤتمر الصحافي لرئيس مجلس النواب نبيه بري، شريك «حزب الله» في الثنائية، عن التوصل إلى «الاتفاق - الإطار»، لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، بعد طول ممانعة. فقال إن الولايات المتحدة اعتمدت معهم أسلوب غازي كنعان: شو بتحب تاكل عصا أو جزرة؟ عقوبات فساد أو ترسيم؟ فكان ما كان من أن ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل أرحم.
لكن رجل النظام الأمني السوري - اللبناني البائد لم يقل كل شيء، فالقرار - الإذن بالتفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل اتخذه النظام الإيراني، خدمة لمصالح طهران، ولا قيمة لكل الأحاديث الأخرى عن محدودية هذا الإطار، وأن تضخيماً قد حدث، أو أن القصة محصورة في الشق التقني الحدودي، وأنه لن يكون للموضوع أي تبعات سياسية، وصولاً إلى بيت القصيد وهو الزعم بأن الإعلام يتلاعب بالحقائق، ليرسم في أذهان العامة صورة سلبية عن «المقاومة»، التي لا تسير في ركب «التطبيع»، وطبعاً إلى آخر المعزوفة عن أن محور «الممانعة» لن يقدم أي التزامات؛ في حين من الأمور الثابتة أن ترسيم الحدود بين دولتين معترف بهما دولياً، يعني حظر انتهاك هذه الحدود وحمايتها، ومن الآخر فإن خط الترسيم قطع الطريق إلى القدس.
لنعد قليلاً إلى الوراء، تزامنت جريمة الحرب ضد بيروت ولبنان في الرابع من آب الماضي، مع مناخ من التفجيرات «الغامضة» التي تلاحقت من إيران إلى لبنان. وكان واضحاً أن كل تلك التفجيرات لم تكن من فعل «معلم تلحيم» جوال على ما تفتقت عنه عبقرية فرق «التحقيق» الجوالة. تفجير «عين قانا» أثار الأسئلة عن مخاطر مستودعات الأسلحة المنتشرة في المدن والقرى، وبعد تفجير المرفأ وترميد نصف بيروت، اتهمت فئات لبنانية واسعة وعلانية «حزب الله» بالمسؤولية، خصوصاً أن نصر الله كان قد سارع بعد تفجير بيروت، إلى وضع الفيتو على أي استعانة بتحقيق دولي في جريمة إبادة إرهابية مكتملة الأركان، وهو يعلم علم اليقين، أنه لو صفت النوايا، لا إمكانية متوفرة للقضاء اللبناني لإنارة التحقيق الذي يتطلب استعانة بالمختبرات الجنائية المتطورة، فيما عمد «الحزب» إلى إسدال ستار من الكتمان على تفجير «عين قانا»!
ضمن هذه المعطيات جاءت الدفعة الأولى من العقوبات التي طالت مقربين جداً من «حزب الله»، كالوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس، وقد تم تسليط الضوء على دورهما في تمكين «حزب الله» من استباحة المال العام... تجمعت كل هذه العناصر مع رغبات حكام طهران التقدم نحو اتفاقٍ مع الولايات المتحدة خصوصاً بعدما فعلت العقوبات الأميركية الصارمة فعلها، فضلاً عن أنه ما من مؤشرات حاسمة عن فشل الرئيس الحالي بتجديد الولاية. التقى هذا المنحى مع اهتمام الرئيس ترمب الذي أراد استثمار نجاحات سياسته في المنطقة في الانتخابات الرئاسية الأميركية، وما من ورقة أفعل من أن يكون قد جمع النقاط التي من شأنها أن تخلق حالة من الراحة في إسرائيل.
وسط هذه الصورة جرت الدعوة إلى المفاوضات بعد تراجع لبنان عن ربط التحديد البري بالبحري، وفيما اعتبرت واشنطن أن ذلك يعدُّ تطوراً تاريخياً، تم تحديد موعد انطلاق المفاوضات في الرابع عشر من الجاري في الناقورة على الحدود الجنوبية، حيث يقتصر دور الأمم المتحدة على تأمين الجانب اللوجيستي، فيما تكون الرعاية أميركية وهنا كان التنازل الثاني من جانب لبنان الذي طالب بداية برعاية من الأمم المتحدة.
طبعاً هذا الموضوع بالغ الأهمية بالنسبة للبنانيين لأنه السبيل الوحيد لضمان حقوق لبنان بالثروة النفطية والغازية المتوقعة، وضمان احترام الحدود بعيداً عن عقود من تلك «الثقافة» التي زرعت الأوهام، خصوصاً لدى بيئة «حزب الله» من أن البندقية وترسانة الصواريخ هما الضمانة للحقوق النفطية والسيادية، فيما معطيات واقع الحال تتحدث عن مؤشرات مفادها أن متطلبات صيانة هذه الترسانة الصاروخية أعلى من الإمكانات المتوفرة، غير أن أمراً آخراً حدث في التوقيت نفسه طرح الكثير من علامات الاستفهام عن مآل التطورات الجارية في لبنان.
لقد كان لافتاً أن بيروت استفاقت يوم الأحد في 27 سبتمبر (أيلول) الماضي على نشر قوة من وحدات «اليونيفيل» في مرفأ بيروت، وقد أعلن قائد هذه القوات أن الانتشار تم بعد موافقة مجلس الأمن على طلب الجانب اللبناني أن نقدم المساعدة. الأمر ليس بسيطاً، لأنه يجدر التذكير بأن الجانب الأميركي عندما صوّت بالموافقة على تجديد التفويض للقوات الدولية في لبنان لمدة سنة جديدة، كان قد اشترط أن يصار إلى وضع خطة خلال 60 يوماً تحدد آلية عمل هذه القوات بعد توسيع صلاحياتها. وبدا من الانتشار الذي أعقب خروج القوة الفرنسية التي ساهمت في رفع أنقاض المرفأ، أن الهدف رقابة دولية متممة لدور «اليونيفيل» البحري، لأنه من غير الجائز أن يستمر المرفأ منفذاً لعمليات التهريب، التي ضُبط منها الكثير، وربما استيراد الأسلحة بمعزل عن رأي السلطة اللبنانية وقرارها.
لقد حصل انتشار الوحدة الدولية بهدوء ومن دون أي رد فعل من جانب «حزب الله» وكل محور «الممانعة»، مع صمت كامل من جانب دمشق ومن جانب طهران، كما وسكوت مطبق من الجهات الرسمية اللبنانية. هنا تطرح الأسئلة كيف حدث هذا التغيير بعد سنوات من الرفض المرفوع بوجه قوى داخلية تم تخوينها لأنها رفعت الصوت مطالبة بنشر القوات الدولية في المرفأ والمطار وعلى الحدود الشرقية والشمالية مع سوريا؟!
قد يقول قائل إن المهمة الجديدة متعلقة بالمساهمة في إزالة الأنقاض وإنها لفترة مؤقتة. وقد يقال غير ذلك، لكن المعطيات لا تشي بمثل هذا الأمر لأن الأنقاض أزيلت، وما قد يعتبر في السياسة عنصراً مؤقتاً ما المانع لأن يتحول إلى دائم، ودوماً بعد الإقدام على مثل هذه الخطوة ليس هيناً التراجع عنها، هذا دون أن نسقط من الاعتبار أهمية تلبية المطالب الأميركية بإدخال تغييرات على دور ومهام القوة الدولية في لبنان، وبالأخص الوجود في المرفأ أهم معابر لبنان إلى العالم.
ربما يكون ترسيم الحدود البحرية - حدود الثروة، إذا سارت الأمور بشكل طبيعي وسلس، تطبيعاً مقنعاً من جانب محور الممانعة مع استمرار الرفض اللفظي، لكن الأكيد أنه مع تقدم هذا المنحى سيتأكد أن ترسانة السلاح إياها باتت بلا جدوى، إلا إذا كان هناك تقدير آخر وهو أن هدف السلاح أولاً وأخيراً فرض تغيير المعادلات اللبنانية الداخلية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة