من سلام الاضطرار إلى سلام الطموح

من سلام الاضطرار إلى سلام الطموح

الاثنين - 26 محرم 1442 هـ - 14 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [15266]

إن لم تفعل شيئاً اضطراراً، فلا بدَّ أنَّك اخترت فعله طموحاً. في ظني أنَّ هذا ما يزعج المنزعجين من موجة السلام الحالية.
البحرين، وقبلها الإمارات، ليستا دولتي مواجهة، ولا دخلتا حرباً مع إسرائيل تريدان أن تفكَّا الاشتباك بين طرفيها. الغرض الوحيد من السلام لا يملك إلا أن يكون السعي إلى مصالح ومنافع مشتركة. وهذا في منطقة صارت - للأسف - تطرب لحديث المواجهة والعراك أمر عظيم، لمن يحب السلام، ومقلق أكثر من العادي لمن يكرهونه، ومقلق بشكل أكبر وأكبر لمن يربك حساباتهم.
ويكاد مرتبك الحسابات يقول خذوني!
أردت أن أتجنب وضع الفصائل الفلسطينية على رأس قائمة من ارتبكت حساباتهم، ولم أستطع. لقد وضعت الفصائل الفلسطينية نفسها في موضع لا يمكن تفسيره سياسياً إلا من خلال «الهفوة المأساوية» في الدراما الإغريقية. وهي عادة خصلة بسيطة في البطل لا ينتبه إليها، وكثيراً ما تمر على الجمهور من دون أن تلفت انتباهه في البداية، لكنها بمرور الأحداث تتعاظم أثراً حتى تقود إلى مأساة.
الفصائل الفلسطينية مرَّت في علاقتها بدول الاعتدال العربي بهذه التجربة الدرامية. انحازت الفصائل المؤثرة إلى طهران ودمشق والضاحية الجنوبية، ولم يتوقف الجمهور طويلاً عند هذا الانحياز، فسَّره بأنَّه انحياز طبيعي من فصائل حرب إلى أنظمة حرب.
ثم انحازت إلى الدوحة وأنقرة. ومرة أخرى، التمس لها الجمهور العذر بأنَّها تبحث عن براح شعاراتي، يسمح لقادة الفصائل بإذكاء مشاعر المقاومة والصراع. رغم أنَّ الجمهور لم يخفِ ملاحظته بأنَّ الفصائل الفلسطينية هنا لم تمانع في العلاقات السرية العلنية بين الدوحة وإسرائيل، ولم تمانع في وضع تركيا كالشريك الأقرب إلى إسرائيل تجارياً وعسكرياً في المنطقة. اتسعت الفجوة، وزادت الأسئلة.
لكن الفصائل لم تعرف متى تتوقف. بعد أن أظهرت طهران وأنقرة أطماعهما التوسعية كان عليها أن تختار، فاختارت الجانب الخطأ. انحازت إلى «حزب الله» في صراعه مع الحريري و«14 آذار». قدَّمت في غزة ما اعتبره الممانعون بروفة السيطرة على بيروت. ثم تدخلت لمناصرة «فلول العثمانيين» في الصراع الداخلي المصري بعد 2011. هذا ناهيك عن الحملات الدعائية.
سوَّقت الفصائل الفلسطينية، وصدَّقت جماهيرها، أنَّ دول الاعتدال لا تفعل للقضية الفلسطينية شيئاً. لكنَّها لم تنتبه إلى أنَّ قدرتها - أي الفصائل - مجرد قدرتها على حجز كل هذه الحكومات والدول عن إقامة علاقات مع إسرائيل منحت الفصائل الفلسطينية أهمية كبرى لدى معسكري طهران وأنقرة. كما منحتها ثقلاً عالمياً لا تتمتع به أي جماعة شبيهة. لا الأكراد الذين يمتلكون لغة واحدة وثقافة واحدة، وموزعون على أكثر من دولة، ولا الأرمن المطرودون من ديارهم، ولا حتى اليهود حتى الحرب العالمية الثانية.
دول الاعتدال، طوال الفترة التي رهنت فيها موقفها بموقف الفلسطينيين، كانت في الحقيقة تمنح الفصائل الفلسطينية ميزة كبرى، ضحَّت فيها بمصالحها، وواجهت فيها خطراً يقترب، رافعاً شعار المضي إلى تحرير القدس، لكنَّه ليس منشغلاً إلا بالغنائم على الطريق، وعلى الطرق الفرعية، وعلى الطرق البعيدة. من وجهة نظري أخطأت دول الاعتدال كثيراً. وصبرها زيَّن لأنقرة أن تفعل فعل طهران. وزين لها أن تستخدم الفصائل نفسها. لكنها كانت ميزة فاتنة، مغوية، سياسياً لمن حصل عليها.
وهذا ينقلنا إلى المستوى التالي ممن ارتبكت حساباتهم بسبب موجة السلام الحالية.
الفصائل الفلسطينية إذ صدقت أن دول الاعتدال «لم تقدم شيئاً»، أغواها هذا بأن تتعامل مع العلاقة الجيدة معها على اعتبار أنَّ وجودها كما عدمها. وعلى أنَّ بطء هذه الدول في التقارب مع إسرائيل، انتظاراً للفلسطينيين، أمر مفروغ منه وزهيد.
لكنها وبلا شك أفاقت على ارتباك أنقرة وطهران ارتباكاً يوحي بأنَّ ما حدث بقرار السلام أمر جلل.. أنَّ فضَّ الارتهان، وأخذ زمام المبادرة في تشكيل خريطة جديدة للشرق الأوسط لم يكن شيئاً موضوعاً في الحسبان. كانت أنقرة وطهران مطمئنتين إلى أنَّ أحداً لن يجرؤ على كسر هذا «اللاشيء» الذي تقدمه دول الاعتدال.
بداية، ستبحث العاصمتان التوسعيتان عن ثمن آخر مطلوب من الفصائل تقديمه مقابل دعمهما. سننتظر ونرى.
أما في الوقت الحالي، فارتباك طهران وأنقرة له أسباب أخرى تردنا إلى إدراكهما الفرق بين سلام الطموح وسلام المضطر. سلام الطموح ينذرهما بأن هذه خطوة إلى خطوات. السياسة الآن مفتوحة على المجهول بالنسبة لهما. ما الخطوة التالية بين الإمارات والبحرين وإسرائيل؟ ما نوع التعاون؟ هل سيشجع ذلك دولاً محورية أخرى في المنطقة على الانضمام إليهما؟ وهل يشجع هذا بدوره تكتلاً كبيراً من هذه الدول على فرض واقع جديد يكتبه هو بفلسفة التنمية لا فلسفة الحرب؟ هل يكشف هذا عن أنقرة الحقيقية تحت حكم «العدالة والتنمية»؟ هل يتسبب في مزيد من عزلة إيران عالمياً؟
هل يهدُّ الواقع الجديد، وما يرى الناس من ثماره، البناء الفكري والرؤية الحياتية التي أشاعها هؤلاء الطامعون، لا سيما بعد ما رأينا في السنوات العشر الماضية؟ سنرى. ونأمل.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة