أوروبا تقترب من التدخل في الحرب من باب المصالح والدفاع عن الحلفاء

ترمب «غاضب» من ستارمر لتأخره في السماح باستخدام القواعد البريطانية

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تتحدث خلال مؤتمر صحافي في بروكسل الاثنين (أ.ب)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تتحدث خلال مؤتمر صحافي في بروكسل الاثنين (أ.ب)
TT

أوروبا تقترب من التدخل في الحرب من باب المصالح والدفاع عن الحلفاء

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تتحدث خلال مؤتمر صحافي في بروكسل الاثنين (أ.ب)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تتحدث خلال مؤتمر صحافي في بروكسل الاثنين (أ.ب)

ما يهم أوروبا ألا تتحول الحرب الإيرانية - الأميركية ـ الإسرائيلية إلى مواجهة إقليمية شاملة من شأنها أن تنسف استقرار منطقة تعاني أصلاً من عدم الاستقرار. وبعد ساعات من بدء الحرب الأخيرة ومبادرة إيران لاستهداف دول الخليج بصواريخها ومسيراتها، سارع الاتحاد الأوروبي، كمجموعة، ودوله فرادى، إلى التنديد بما تقوم به إيران ضد دول ليست طرفاً في هذه الحرب.

والاثنين، دانت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، «بأقصى شدة» ما تقوم به إيران والذي وصفته بـ«الهجمات غير المسؤولة»، مشيرة بالتحديد لاستهداف القاعدة الجوية البريطانية في قبرص والهجمات الإيرانية على البنى المدنية في منطقة الخليج. وبعد أن كانت الدول الأوروبية تدعو لضبط النفس، فإن فون دير لاين ذهبت إلى حد الدعوة لتغيير النظام السياسي في إيران بقولها إن موت المرشد الأعلى علي خامنئي، في ضربة جوية «يفتح باباً جديداً للأمل للشعب الإيراني المقموع»، معبرة عن «مساندتها القوية لحقه في تقرير مستقبله». وبنظرها، فإن الحل الوحيد المستدام في إيران «يكمن في انتقال سياسي يتمتع بالمصداقية، ووقف تام للبرامج النووية والباليستية، ووضع حد للأنشطة المزعزعة للاستقرار في المنطقة».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون متحدثاً في مؤتمر ميونيخ للأمن في 13 فبراير 2026 (د.ب.أ)

اندفاع أوروبي

غير أن الترويكا الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) ذهبت أبعد من ذلك، إذ اتخذت خطوة رئيسية باتجاه التدخل المباشر في الحرب الدائرة بين الجانبين المتحاربين. وجاءت نقطة الانطلاق من خلال البيان الثلاثي الذي صدر بعد ظهر الأحد عن قادة الدول الثلاث الذين نددوا بالهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن «غير المنخرطة في العمليات العسكرية الأولية للولايات المتحدة وإسرائيل». وأهم ما جاء في البيان ما يلي: «سنتخذ خطوات للدفاع عن مصالحنا ومصالح حلفائنا في المنطقة، بما في ذلك إمكانية اتخاذ إجراءات دفاعية ضرورية ومتناسبة لتدمير قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة من مصادرها».

وبكلام آخر، فإن الأوروبيين لن ينتظروا أن تصل الصواريخ والمسيّرات الإيرانية فوق منشآتهم العسكرية أو منشآت حلفائهم في المنطقة، بل سيعمدون إلى استهداف أماكن انطلاقها، أي على الأراضي الإيرانية نفسها. ولهذا الغرض، فقد اتفق القادة الثلاثة على «العمل معاً مع الولايات المتحدة وحلفائنا في المنطقة بشأن هذه المسألة».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مترئساً اجتماعاً في مقر الخارجية مخصصاً لحرب الشرق الأوسط الاثنين (إ.ب.أ)

وجاء أول «عمل تطبيقي» لهذا القرار عن طريق فرنسا التي أعلن وزير خارجيتها، جان نويل بارو، الاثنين في مؤتمر صحافي، أن باريس «على أهبة الاستعداد، وفقاً للاتفاقيات التي تربطها بشركائها ومبادئ الدفاع الجماعي المشروع عن النفس، المنصوص عليها في القانون الدولي، للمشاركة في الدفاع عن هذه الدول» التي تشمل، وفق بارو، المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت وعُمان والأردن. وللتذكير، فإن لفرنسا، إلى جانب قاعدة الجفرة، قاعدة جوية في الإمارات وأخرى في الأردن إضافة إلى قاعدة مشتركة {بحرية وجوية وأرضية} في جيبوتي. كذلك، فإن عدة مئات من القوات الفرنسية تشارك في قوة «اليونيفيل» الدولية جنوب لبنان.

وبالنظر لخطورة الموقف، فقد التأم «مجلس الدفاع والأمن» الفرنسي (الجمعة والسبت) مرتين في قصر الإليزيه برئاسة الرئيس إيمانويل ماكرون. وربط بارو القيام بخطوة من هذا النوع بوجود طلب مباشر من الدول المعنية وبما يتلاءم مع القانون الدولي. وسبق لماكرون أن أعلن أن بلاده ستعمد إلى تعزيز حضورها العسكري في المنطقة. وما أثار حفيظة باريس خصوصاً استهداف إيران قاعدة «الجفرة» البحرية التي تشغلها فرنسا في الإمارات على ساحل العاصمة أبوظبي، حيث أصيبت حظيرة تابعة للقاعدة من غير أن يقع ضحايا مدنيون.

إضافة إلى ما سبق، قرر الأوروبيون تعزيز حضورهم البحري في منطقة البحر الأحمر في إطار عملية «أسبيد» التي أطلقت في عام 2024 من خلال زيادة مدمرتين فرنسيتين سوف تنضمان للمجموعة البحرية الموجودة هناك. وهدف العملية حماية حرية الإبحار في باب المندب والبحر الأحمر وأيضاً في مضيق هرمز. كذلك، أمرت باريس حاملة الطائرات «شارل ديغول» التي شاركت مؤخراً في مناورات مقابل السويد بالتوجه إلى المنطقة.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لدى مغادرته مقر الحكومة في لندن الاثنين (إ.ب.أ)

ستارمر ونقمة ترمب

ويتماثل الموقف البريطاني مع الخط الفرنسي. فكير ستارمر، رئيس الوزراء، كان واضحاً بتأكيده أمرين: الأول، اتهام طهران بتعريض أرواح البريطانيين للخطر وضرب المصالح البريطانية وحلفائها في أنحاء المنطقة. والأمر الثاني أن حلفاء بريطانيا في الخليج «طلبوا منا أن نبذل المزيد للدفاع عنهم». ولأن الوضع على هذه الحال، فإن ستارمر يرى أن «الطريقة الوحيدة لوقف التهديد (الإيراني) هي تدمير الصواريخ من مصدرها»، الأمر الذي يتطابق مع نص وروحية البيان الثلاثي للترويكا المشار إليه سابقاً.

وتشغل بريطانيا قاعدة «أكروتيري» الجوية في جزيرة قبرص التي كانت هدفاً لمسيّرات وصواريخ إيرانية أوقعت أضراراً مادية ولكن دون سقوط ضحايا. ووقعت بريطانيا منذ سنوات طويلة اتفاقيات وشراكات دفاعية واستراتيجية مع كافة الدول الخليجية، والتي تشمل التدريب والمناورات العسكرية المشتركة والمبيعات العسكرية وحماية المواقع الحساسة من قواعد جوية وبحرية والمحافظة على الأمن البحري وحق استخدام بعض المنشآت العسكرية الخليجية. وكشف ستارمر أن الطائرات البريطانية قامت بعمليات اعتراض لضربات إيرانية في إطار العمليات الدفاعية في المنطقة.

غير أن ستارمر تسبب بخلاف مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي أخذ عليه تأخره في منح القوات الأميركية حق استخدام القواعد البريطانية. وقال ستارمر، الأحد، إن لندن وافقت على طلب أميركي باستخدام قواعد بريطانية لشن هجمات على مواقع إطلاق الصواريخ الإيرانية. وحرص ستارمر على إيضاح أن الطرف الأميركي سيستخدم القواعد البريطانية لـ«غرض دفاعي محدد ومحدود». وقد جاء هذا القرار بعد أن رفضت لندن سابقاً السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها لضرب إيران.

ويحرص ستارمر، لدى كل مناسبة، على الإشادة بـ«العلاقات الخاصة» التي تربط بلاده بالولايات المتحدة. بيد أن هذه العلاقة لم تحمِه من انتقادات ترمب الذي أعرب عن «خيبة أمل شديدة» إزاء ستارمر الذي رفض، بداية، السماح للقوات الجوية الأميركية باستخدام قاعدة دييغو غارسيا البريطانية الاستراتيجية، الواقعة في وسط المحيط الهندي، للانطلاق منها لضرب المواقع الإيرانية. ونقل عن ترمب قوله إن ستارمر استغرق «وقتاً أطول من اللازم» وإن أمراً كهذا «ربما لم يحدث قط» بين بريطانيا والولايات المتحدة، مضيفاً أن ستارمر «كان قلقاً بشأن (مسألة) شرعية الطلب» الأميركي. وهذه ليست المرة الأولى التي يثير فيها ترمب ملف أرخبيل شاغوس التي تشكل جزيرة دييغو غارسيا جزءاً منه، إذ سبق له أن هاجم قبول لندن إعادة السيادة على الأرخبيل لجزيرة موريشيوس.

لا تتمتع ألمانيا بحضور موازٍ للحضور الفرنسي - البريطاني في المنطقة ولديها عدد قليل من الجنود في مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، إلى جانب القوات الأخرى في إطار التحالف الدولي لمحاربة «داعش».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس في طريقه إلى الطائرة التي تنقله إلى واشنطن الاثنين (د.ب.أ)

ولبرلين، أيضاً، عسكريون في قاعدة الأزرق الأردنية الجوية، حيث توجد وحدات جوية وغير جوية من عدة دول (الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، بلجيكا، هولندا). والحال أن القاعدتين تعرضتا لهجمات بالصواريخ والمسيرات الإيرانية، ما يدفع برلين لتأكيد أهمية وقف التصعيد ومنع تمدد النزاع. بيد أن لألمانيا ولمستشارها فريدريش ميرتس موقفاً يمكن اعتباره الأقرب لواشنطن التي سيكون أول زعيم أوروبي يزورها بعد اندلاع الحرب. فقد قال ميرتس الأحد إن «الوقت ليس مناسباً» لإلقاء محاضرات على الشركاء والحلفاء، ويعني أنه يتعين الامتناع عن انتقاد العملية الأميركية - الإسرائيلية.

خلاصة ما سبق أن الأوروبيين بشكل عام، باستثناء عدد محدود من الدول مثل إسبانيا، أخذوا يتخلون عن تحفظاتهم إزاء الحرب رغم يقينهم أن قدرتهم في التأثير على مسارها محدودة للغاية. بيد أن الأمور يمكن أن تتغير إذا طالت الحرب وتمددت وولدت أزمات كبرى لم تكن في الحسبان.


مقالات ذات صلة

البديوي: استقرار الخليج ينعكس على العالم

الخليج جاسم البديوي خلال إحاطة أمام لجنة الشؤون الخارجية للبرلمان الأوروبي في بروكسل الأربعاء (مجلس التعاون الخليجي)

البديوي: استقرار الخليج ينعكس على العالم

قال جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، إن تطورات المنطقة الأخيرة تؤكد أن استقرار الخليج ليس شأناً إقليمياً فحسب، بل عنصر أساس في الاستقرار العالمي

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد منصات حقول نفط في بحر الشمال بالنرويج التي تعدّ أكبر مورد للغاز الطبيعي في أوروبا ومنتجاً رئيسياً للنفط (رويترز)

قيمة صادرات النفط النرويجي ترتفع لمستوى قياسي جراء حرب إيران

ارتفعت قيمة صادرات النفط الخام في النرويج لمستوى قياسي خلال الشهر الماضي بسبب حرب إيران، مما ساعد في ارتفاع الفائض التجاري لأعلى مستوى منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في جدة الثلاثاء (واس) p-circle 00:21

ولي العهد السعودي ورئيس المجلس الأوروبي يناقشان تداعيات أوضاع المنطقة

ناقش ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، مستجدات الأوضاع الراهنة في المنطقة، وتداعياتها الأمنية والاقتصادية دولياً.

«الشرق الأوسط» (جدة)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

ماكرون يبحث مع قادة أوروبا حماية القُصّر من وسائل التواصل الاجتماعي

كشف قصر الإليزيه أن الرئيس الفرنسي سيجري اتصالاً بالفيديو مع قادة آخرين في الاتحاد الأوروبي ‌​بهدف التأسيس ⁠لتحرك منسق بشأن حظر استخدام القصر للتواصل الاجتماعي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد طائرة من «إير فرنس» تتزود بوقود الطيران المستدام في مطار نيس قبل رحلة إلى باريس (أرشيفية - رويترز)

شركات الطيران تحث «الاتحاد الأوروبي» على التدخل مع اختناق إمدادات الوقود

حثت شركات الطيران الأوروبية «الاتحاد الأوروبي» على التدخل باتخاذ إجراءات طارئة لمعالجة تداعيات الحرب الإيرانية، بما فيها إغلاق المجال الجوي على نطاق واسع.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

نتنياهو: جيشنا سيبقى في جنوب لبنان ضمن منطقة أمنية بعمق 10 كم

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

نتنياهو: جيشنا سيبقى في جنوب لبنان ضمن منطقة أمنية بعمق 10 كم

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، إن وقف إطلاق النار مع لبنان يمثل فرصة لـ«سلام تاريخي»، مشدداً على مطلبه بنزع سلاح «حزب الله» كشرط مسبق لأي اتفاق. وصرّح نتنياهو: «لدينا فرصة للتوصل إلى اتفاق سلام تاريخي مع لبنان»، موضحاً أن القوات الإسرائيلية «ستبقى في الجنوب (اللبناني) ضِمن منطقة أمنية بعمق 10 كيلومترات».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن، الخميس، أن نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون اتفقا على وقف لإطلاق النار لمدة عشرة أيام يبدأ الخميس عند الساعة 21:00 بتوقيت غرينتش، مشيراً إلى أن هذا الاتفاق «سيشمل (حزب الله)» المدعوم من إيران.


ترمب: واشنطن وطهران قريبتان جداً من التوصل إلى اتفاق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
TT

ترمب: واشنطن وطهران قريبتان جداً من التوصل إلى اتفاق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)

أعلن الرئيس الاميركي دونالد ترمب، الخميس، أن الولايات المتحدة وإيران «قريبتان جدا» من التوصل إلى اتفاق، وأنه يدرس إمكان زيارة باكستان لتوقيع هذا الاتفاق.

وقال للصحافيين في البيت الأبيض إن طهران وافقت على تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، في وقت يدرس البلدان إجراء جولة ثانية من المفاوضات في إسلام آباد، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

وصرح ترمب قبيل توجهه الى لاس فيغاس «نحن قريبون جدًا من إبرام اتفاق مع إيران». وأضاف «كان علينا التأكد من أن إيران لن تحوز ابدا السلاح النووي... لقد وافقوا تماما على ذلك. لقد وافقوا على كل شيء تقريبًا، لذا إذا قبلوا بالجلوس إلى طاولة المفاوضات (مجددا)، فسيكون هناك فرق».

وسُئل هل سيتوجه إلى باكستان لتوقيع الاتفاق، فأجاب «قد أذهب، نعم. إذا تم توقيع الاتفاق في إسلام آباد، قد أذهب».

وأشاد الرئيس الأميركي برئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير، لقيامهما بجهود الوساطة مع إيران.

وأكد أن إيران وافقت على تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، والذي يشكل نقطة خلاف رئيسية بين الجانبين، موضحا «وافقوا على إعادة الغبار النووي إلينا»، مستخدما هذا التعبير للإشارة إلى مخزون اليورانيوم المخصّب الذي تقول الولايات المتحدة إنه يمكن استخدامه في تصنيع أسلحة نووية.

وأكمل: «لدينا تصريح، تصريح ‌قوي للغاية بأنهم لن يملكوا ⁠أسلحة ⁠نووية لمدة تزيد عن 20 عاما».

وجزم بأن «الحصار الأميركي لمضيق هرمز صامد على نحو جيد»، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».

وتطرّق الرئيس الأميركي إلى إعلانه هدنة 10 أيام بين إسرائيل ولبنان، موضحاً أن وقف إطلاق النار «سيشمل (حزب الله)».

وتناول موضوع السجال الكلامي مع الفاتيكان بقوله إن «على البابا ليو أن يدرك أن إيران تشكل تهديداً للعالم».


دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
TT

دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)

نقلت صحف إصلاحية، الخميس، عن الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي دعوته إلى دعم مسار المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، بوساطة باكستانية، وتثبيت «المكاسب التي حققتها إيران بعد الحرب»، معتبراً أن البلاد باتت في موقع يتيح لها السعي إلى «سلام مستدام» رغم صعوبة المرحلة.

وقال خاتمي، خلال اجتماع مع مستشاريه، إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، بعد أربعين يوماً من القتال والهجمات المكثفة على الموارد البشرية والعسكرية والاقتصادية والعلمية، أدخلت البلاد في «مرحلة جديدة»، مضيفاً أن هذا الواقع لا يمكن فهمه أو التعامل معه بالأدوات الذهنية والافتراضات السابقة.

وأضاف أن إيران، «بفضل المدافعين الشجعان وتضحيات الشعب الواعي»، تمكنت من إحباط ما وصفه بـ«حلم إسقاط نظامها السياسي واستقلالها ووحدة أراضيها وحضارتها التاريخية»، مضيفاً أن «الصمود» وضعها في «موقع عزة» يجعل الوصول إلى «سلام دائم»، رغم تعقيداته، «ليس بعيد المنال».

وشدّد خاتمي على أن السلام المستدام هو «الوجه الآخر للدفاع الشامل»، لكنه أكثر تعقيداً من الميدان العسكري، موضحاً أن السلام لا يقتصر على غياب الحرب، بل يحتاج إلى «حوارات حقيقية، ومفاوضات ذكية، واتفاقات معقولة». وقال إن الحوار في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعلى المستويين الداخلي والخارجي، يمثل بدوره شكلاً من أشكال الدفاع الفعال.

وأشار إلى أن مؤسسات الدولة والحكومة بدأت بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، مضيفاً أن «الأركان القانونية في البلاد شرعت في إجراءات مهمة، وأجرت المفاوضات اللازمة»، ومعتبراً أن «على الجميع أن يساعدوا في إنجاح هذه الجهود».

ورأى خاتمي أن الحرب أظهرت بوضوح مواقف القوى والتيارات من مسألة السلام، ومنحت صورة أوضح عن الجهات الداعمة له والجهات المنخرطة في تأجيج الحرب. كما قال إن مفكرين ومراكز أبحاث ووسائل إعلام وحكومات عدة باتت تتحدث بوضوح عن فشل الاستراتيجيات الأميركية والإسرائيلية القائمة على الحرب والتصعيد.

وأضاف أن تراجع هذا النهج، إلى جانب التأثير المتزايد للحرب على الاقتصاد العالمي، وضع إيران في موقع يمكنها من امتلاك هامش أوسع بعد الحرب، ليس في إدارة المواجهة فقط، بل أيضاً في الإسهام في تثبيت سلام إقليمي ودولي.

وأعرب خاتمي عن اعتقاده أن البلاد دخلت مرحلة «أكثر حساسية»، تستوجب «تجنب الاندفاع والتطرف، والعمل على تثبيت النجاحات العسكرية والسياسية الراهنة»، فضلاً عن قراءة دقيقة لاحتياجات المجتمع ومتطلبات ما بعد الحرب والتحولات الاقتصادية والسياسية الدولية.

ودعا إلى التوجه نحو مستقبل يبعد شبح الحرب والتهديد عن إيران، ويتيح مشاركة جميع المواطنين، وخصوصاً النخب والمفكرين والشرائح المختلفة، في إعادة بناء البلاد على أسس الحرية والاستقلال والازدهار.

وشدّد خاتمي على أن دعم المفاوضات يمثل أولوية في هذه المرحلة، وأن الحفاظ على المكاسب الحالية يمر عبر إدارة هادئة وعقلانية للمرحلة المقبلة، بما يعزز فرص الوصول إلى تسوية مستقرة.

الحفاظ على السرية

وعكست الصحف الإيرانية الصادرة، الخميس، تبايناً في مقاربة ملف الحرب والمفاوضات مع الولايات المتحدة، بين دعوات إلى الحفاظ على السرية، واعتبار فشل محادثات إسلام آباد موقفاً أفضل من التوصل إلى اتفاق، وانتقادات لضعف إدارة المعلومات الموجهة إلى الرأي العام.

وكتب حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان»، أن جميع الأنظمة الحاكمة «لديها أسرار وخفايا لا يمكن كشفها ويجب أن تبقى مخفية»، معتبراً أن حجب بعض المعلومات لا يعني استبعاد الناس، بل يهدف إلى إبقاء أسرار الدولة بعيداً عن الخصوم ومنعهم من القيام بردود فعل استباقية.

وأضاف أن إجابة المسؤولين المعنيين بالحرب على بعض الأسئلة قد تؤدي إلى «كشف أسرار البلاد وتسبب مشكلات للنظام»، مشيراً إلى أن بعض القرارات قد تستند إلى «حسابات دقيقة وواقعية» لا يمكن إعلانها.

أما صحيفة «قدس»، التابعة لهيئة «آستان قدس رضوي» الخاضعة لمكتب المرشد الإيراني، فرأت أن فشل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد بدا «أفضل من أي اتفاق»، معتبرة أن الوفد الإيراني واجه «المطالب المفرطة» للجانب الأميركي وتمسك بمصالح البلاد.

وقالت الصحيفة إن إيران «لا تملك خياراً سوى إثبات وجودها وفرضه بقوة»، مضيفة أن ذلك لا يتحقق إلا عبر «المقاومة والاستعداد للمواجهة وتحميل العدو التكلفة». كما اعتبرت أن المفاوضات لا ينبغي أن تستهدف إنهاء النزاع، بل إدارة الصراع وتثبيت الوقائع والضغط المتبادل.

على الضفة الأخرى، انتقدت صحيفة «خراسان»، القريبة من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، طريقة إدارة المعلومات المرتبطة بالمفاوضات، مشيرة إلى وجود فجوة واضحة بين السلطات والرأي العام.

وقالت إن المشكلة الأساسية ليست في معارضة المجتمع لقرارات النظام، بل في «نقص المعلومات»، مضيفة أن المواطنين الذين أظهروا دعماً خلال «40 ليلة» ينتظرون معلومات دقيقة وسريعة، لا مجرد بيانات عامة.

وحذرت الصحيفة من أن الفراغ المعلوماتي يمكن أن يتحول سريعاً إلى قلق، ثم إلى فقدان للثقة إذا لم يعالج في الوقت المناسب، مشددة على ضرورة بناء رواية إعلامية واضحة للمفاوضات، تتولاها جهة واحدة تتمتع بالمصداقية والسرعة والخبرة الإعلامية، مع رسائل مفهومة وتوقيت واضح.

«تراجع واشنطن»

ورأت صحيفة «فرهيختغان»، المقربة من علي أكبر ولايتي، أن زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران تحمل دلالات تتجاوز الوساطة المباشرة بين واشنطن وطهران.

وبحسب الصحيفة، فإن منير بات، منذ إقصاء عمران خان، صاحب الدور الأبرز في إدارة الملفات الكبرى في باكستان، ولا سيما تلك المرتبطة بالتوازنات الدولية وانعكاسات التنافس بين الصين والولايات المتحدة على بلاده. ومن هذا المنطلق، فسّرت الصحيفة تحركه نحو طهران بوصفه جزءاً من موقع باكستان داخل هذا التنافس، وليس استجابة ظرفية فقط للأزمة الإيرانية - الأميركية.

وأضافت الصحيفة أن اختيار باكستان لتولي الوساطة بعد تراجع أدوار وسطاء إقليميين سابقين، مثل عُمان وقطر، يعكس تحولاً في بيئة التفاوض فرضته الحرب، كما يعكس، في تقديرها، صعوداً نسبياً للموقع الصيني في إدارة التوازنات الإقليمية، في مقابل تراجع هامش الحركة الأميركي.

وأشارت إلى أن إسلام آباد تحركت خلال الحرب في خط أقرب إلى بكين، سواء في مواقفها المعلنة أو في قبولها استضافة المفاوضات.

وفي هذا السياق، اعتبرت «فرهيختغان» أن مجرد عودة عاصم منير إلى طهران بعد جولة إسلام آباد تمثل، في أحد أوجهها، مؤشراً إلى «تراجع واشنطن» عن لهجة الإنذار التي حملها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، إذ كان قد قدم المقترح الأميركي عند مغادرته باكستان على أنه «العرض النهائي»، وأن على إيران قبوله أو رفضه.

وترى الصحيفة أن دخول منير مجدداً على خط الوساطة بعد ذلك يعني عملياً أن باب التفاوض لم يغلق، وأن الولايات المتحدة عادت إلى البحث عن مخرج عبر الوسيط الباكستاني، بما يوحي، من وجهة نظرها، بأن الضغط العسكري والحصار البحري لم يحققا حسماً سريعاً، وأن واشنطن اضطرت إلى العودة إلى مسار المراجعة والاتصال.