«مكبث» ومخاطر الترجمة الأدبية

محمد عناني ترجم مسرحية شكسبير الشهيرة شعراً

شكسبير
شكسبير
TT

«مكبث» ومخاطر الترجمة الأدبية

شكسبير
شكسبير

منذ فترة وأنا أعد العدة لكتابة مقالة عن مخاطر ترجمة «مكبث» ترجمة أدبية، وما فرقها عن الترجمة المعنية بالتقنية. فما إن وقعت في يدي ترجمة محمد عناني لهذه المسرحية حتى وجدتها فرصة.
تميزت ترجمة عناني بناحيتين: الأولى مترجمة شعراً، والثانية مشروحة شرحاً مفصلاً.
يقول عناني: «أما مذهبي في الترجمة... فأنا أضع الدقة نصب عيني، وتقديم نص عربي يطابق الأصل الإنجليزي في المعنى والمبنى».
أما عن الترجمة شعراً، فيقول: «وأعتقد أن البحور الصافية أقرب إلى نص شكسبير، فنادراً ما يلجأ هو إلى بحر مركب، ومرات لجوئه النادرة حاكيتها في الترجمة، ولا تخفى على الخبير بالعروض العربي».
كذا ألزم عناني نفسه بمطمحين جريئيْن، ذلك أن تركيب الجمل (Syntax) يختلف من لغة إلى أخرى. أما قرب البحور الصافية إلى النص الشكسبيري، فمسألة فيها نظر (سنعالج موسيقى الشعر في فقرة لاحقة).
«مكبث» من أخطر مسرحيات شكسبير لغة. فهي من ناحية قصيدة ممسرحة، ومن ناحية ثانية قصيدة ليلية شريرة.
إلى ذلك، فإنها أكبر دلتا دموية في تاريخ الأدب؛ المسرح بركة دم، والممثلون يتبدلون الأدوار. هم الصوت مرة، وهم الصدى مرة؛ الحياة مسرحية. البشر في مسرحية «مكبث» دمى تحركها قوى غيبية، لغتها مجازيّة مرمّزة اصطلاحية، وتقنياتها أشبه ما تكون بعمليات مختبرية، كلّ بمقدار. ما من اعتباط، وما من حبل على الغارب.
ترجمة «مكبث» مخاطرة، لا سيما إذا كانت غفلاً عن لغة شكسبير الاصطلاحية. ويقيناً، ما من نظرية في الترجمة، لأنها اجتهاد فردي، إذا قصدنا بالترجمة الإبداع. فما ينطبق على «ملتون» لا ينطبق على «تشوسر». كلّ نصّ أصيل يأتي بنظرية جديدة، أي أن نظرية ترجمية إن صحت فبالصدفة، فهي كالملابس الجاهزة، تصلح ولا تصلح. ولكن ربّما «مع الخواطئ سهم صائب».
ومن أغرب ما قرأت ما قاله أحد الدارسين بشأن معايير سبعة في الترجمة قررها أكاديمي عربي، زاعماً أن معاييره «قابلة للتطبيق على كلّ نصّ أدبي مترجم». كيف؟ هذه لا شكّ كبوة، نبوة، هفوة من نوع نادر.
يكفي، لغرض هذه المقالة، أن ننظر الآن في الفصل الأوّل، لأن فيه كل الثيمات الكبرى في المسرحية، حسب رأي نايتس (L C. Knights): «كلّ ثيمة في مسرحية (مكبث) مبسوطة في الفصل الأوّل، والمفتاح الموسيقي في المشهد الأوّل سيعود ويتكرر في الألحان الرئيسة في المسرحية، وكلّ كلمة فيه تشهد بدقة على ذلك». لنبدأ إذن من المشهد الأوّل - الفصل الأوّل، ثم نتدرج خطوة خطوة، للتمييز بين الترجمة الأدبية والترجمة المعنية بالتقنية.
يبدأ المشهد، أوّلاً، برعد وبرق. المشهد، إذن، يبدأ بالطقس. لهذه البديهة أهمية ذات دلالة، كأهمية الاستدلال على عنوان بيت من رقمه، ثمّ تدخل الساحرات الثلاث.
تقول الساحرة الأولى:
«متى نلتقي ثانية نحن الثلاث
في الرعد أم في البرق أم في المطر؟»
When shall we three meet again?
In thunder، lightning، or in rain?
هذه لغة مجازية تشير إلى مواقيت ثلاثة؛ أي هل نلتقي في بداية المعركة (أي قعقعة السيوف)، أم في وسطها (حين تجرّد فتلمع)، أم في نهايتها (حينما ينسفح الدم).
وتقول الساحرة الثانية:
«حين تضع الحرب أوزارها
حين تُخسر المعركة وتُربح»
When the hurlyburly’s done،
When the battle’s lost and won.
وقبل أن يتفرّقْنَ، قلنِ بصوت واحد:
«الصاحي غائم، والغائم صاحٍ»
في هذا المشهد الصغير، إنما استنبت شكسبير ثلاثة بذور أساسية، وهي: (1) الرقم ثلاثة، (2) الصدى، (3) الطقس.
هذه مفاتيح ناجعة لفهم كثير من الألاغيز الغامضة في هذه المسرحية. وسنحرص على متابعة تطوّر هذه الثيمات الثلاث، لأن بإغفالها تعسر الترجمة حدّ التشوّش.
جاءت ترجمة الأستاذ عناني، على الصورة التالية:
الساحرة 1: «متى نلتقي بعد نحن الثلاث؟
أفي الرعد والبرق أم في المطر؟
الساحرة 2: «سننظر كي يهدأ الصخب الملتاث
وينهزم الجيش أو ينتصر»
تقول الساحرات الثلاث في نهاية المشهد:
«ألا إنما الخير شرّ ألا إنما الشر خير
فحلقن وسط الضباب وجو الهواء العكر».
لا ريب هذه ترجمة أدبية خالصة، همها تبيّن المعنى، لا كيف قيل، وهذا هو الفرق الأساسي بين الترجمة الأدبية والترجمة التي تُعنى بالتقنية. إذا نظرنا إلى التقنيات التي توسلها شكسبير في هذا الحوار الصغير، سنرى كيف فقدت الترجمة العربية دقة التوريات. مثلاً، قال عناني في الحاشية رقم 2 إنه يصحح «أم» (or) في هذا السطر إلى «و» (and) لأن الظواهر الجوية الثلاث متلازمة، ويوافقه كابل، ولكنّ خروج الساحرات عن المنطق مقبول.
ولا أدري لماذا نقل عناني هذا الكلام غير العلمي، هل هي حقاً «متلازمة» دائماً. لندع علوم الأنواء الجوية، ونقرأ ما كتبه «تي إس إليوت» في قسم «ماذا قال الرعد»، من قصيدته المهيبة «الأرض الخراب»:
«وليس هناك حتى صمت في الجبال
سوى رعد جافّ عقيم بلا مطر»
تقول الساحرة (2):
«سننظر كي يهدأ الصخب الملتاث»، بمعنى أنهن سيقفن منتظرات، وهذا يتعارض مع اتفاقهن على الافتراق، ثم اللقاء ثانية في المرجة. وقال «سيهدأ» ولكن ما من هدوء، هناك حسم لا بد منه للمعركة، ولا أدري من أين جاءت كلمة: «ملتاث».
يقول المترجم في الحاشية 2: «الصخب الملتاث في الأصل ومعناها الحرفي هو الضجيج الأهوج، والمقصود هو الفتنة الهوجاء، أي فتنة التمرد على الملك، واختيار الصفة العربية في النص هنا تفرضه القافية العربية»؛ أين إذن دقة المعنى والمبنى؟
تقول ترجمة عناني أيضاً: «وينهزم الجيش أو ينتصر». هذا هو المعنى الأدبي، وهو مقبول إلى حدٍّ ما.
المغزى العميق للمصطلح هو الخسارة والربح، لأن صداها سنصادفه على لسان الملك دنكن، في آخر جملة يقولها في نهاية المشهد الثاني: «ما خسره أمير (كودر) ربحه مكبث النبيل».
أما عبارة «وينهزم الجيش أو ينتصر»، فليس في النص الإنجليزي الجيش، وإنما المعركة. أكثر من ذلك أن ترجمة واو العطف هنا إلى «أو» قضى على دقة المعنى، فالمعركة تخسر وتربح في آن واحد، وهي بهذا تمهد للتناقضات التالية، مثل الصاحي غائم والغائم صاحٍ.
لو عدنا إلى السطرين الأخيرين في المشهد الأول: «ألا إنما الخير شر، ألا إنما الشر خير - فحلقن وسط الضباب وجو الهواء العكر»، فلا أدري ما الذي أغرى المترجم باختيار الخير والشر من بين الشروح الأخرى، فليس في المشهد خير أو شّر، خاصة بالنسبة إلى الساحرات الثلاث، وإنما كن يتحدثن عن الطقس منذ السطر الأوّل في المشهد؛ الترجمة الأقرب كما يبدو هي:
«الصاحي غائم والغائم صاحٍ»
نجد صدى لهذه الجملة في الفصل الأوّل - المشهد الثالث، حين قال مكبث: «لم أرَ يوماً صحواً غائماً كهذا اليوم».
أما الشطر: «فحلقْنَ وسط الضباب وجو الهواء العكر»، فكنت أتصور من قبل أن العكر إنما هي صفة للماء، لا للهواء. بالإضافة إلى إنها إنما أدرجت هنا لأنها تماشي قافية: «ينتصر» في البيت السابق. أمّا «فحلقن»، فما من أحد يستطيع أن يجزم أن الساحرات الثلاث كنّ مجنحات. ولو كنّ كذلك لما أبحرت الساحرة الأولى من اسكوتلندا إلى حلب بمنخل. كان أسهل عليها أن تطير إلى هناك. أكثر من ذلك حين تختفي الساحرات الثلاث أمام عيني مكبث. يقول بانكو:
«للتراب فقّاعات، كما للماء
وهنّ من تلك الفقاعات. - أين اختفيْنَ؟»
وفي رسالة مكبث إلى الليدي مكبث، في المشهد الخامس، ترد العبارة التالية: «جعلن أنفسهنّ (أي الساحرات) هواء وذبْنَ فيه».
ماذا لو اخترنا كلمة يحمْن من الفعل حام، بدلاً من حلّقْن؟ فالمعنى القاموسي للفعل حام هو: دار حول الحمى؛ إنها بلا شك تتداعى إلى الحومة، وهي أشدّ موضع في القتال.
الرقم (3) هو أحد الجذور الأساسية في مسرحية مكبث. إنه الدوائر التي لا تني تدور، ولا تتوقف أو تفتر. العسكري مكبث يعاني لدرجة الانهلاع من قيامتين: السماوية والأرضية. القيامة الأرضية هي التي قاب قوسين، هي خناقه.
ثمة نهر ديني عميق يجري في تضاريس المسرحيّة. الرقم (3) نهر عميق؛ إنه عقيدة الثالوث: «الأب والابن والروح القدس»؛ تلك أقانيم الإله الثلاث.
المترجم الذي لا يفطن لما لهذا الرقم من أهمية يقع في مطبات مشينة. يقول لزلي أ. فيدلر: «الرقم (3) هو التعويذة السحرية، لأن المرأة صُوِّرتْ من البداية على أنها ثالوث بالنسبة للرجل: أوّلاً حبلت به، ثانياً احتضنته بالحب، وأخيراً كفنته حينما مات».
على هذا شطّت مثلاً ترجمة جبرا، وهو كثير الربذات والسقطات، حينما ترجم الشطرين الأوّليْن بالصورة التالية:
«متى نلتقي ثانية نحن الثلاث»
في رعود وبروق وأمطار كاللهاث»
كذا جمع المترجم الرعد والبرق والمطر، ثمّ ترجم «أو» إلى الواو العاطفة، وبذلك قضى على مواقيتها الثلاثة المنفصلة.
الأكثر إيلاماً، أن المترجم أضاف من عنديّاته «كاللهاث». وهكذا، كما يقول المثل العراقي: «أراد أن يكحلها».
لنعد إلى ما قاله عناني ثانية: «فحلقْنَ وسط الضباب وجوّ الهواء العكر». يبدو أن كلمة «جو» حشو اقتضته ضرورة الوزن الشعري. الحشو في ترجمة مكبث خاصّة معيب، لأن شخصيات مكبث توجز في الكلام، ولا وقت لها حتى «لاستظهار أدوارها». زبدة القول لغة مكبث، حادة (Laconics)، سريعة الزفير، سريعة الشهيق.
لكن لننظر في عبارة (Foul air) التي ترجمها عناني «الهواء العكر». قد يكون من المفيد تأمّل هذه الكلمة،
فهي تعني: الفاسد، العفن، الملوّث، الموبوء. قد يختار المترجم أيّاً من تلك المعاني، حسب مقتضى الحال، ولكن حين تكون الترجمة اصطلاحية، فلا بدّ له من تحديد الكلمة فنيّاً. وفي هذه الحالة قد تكون «الموبوء» أقرب إلى النص، نظراً لاهتمام المسرحية بالطب والأمراض النفسية والجسدية والعلاج، كما في الحوار الذي دار بين مكبث والطبيب، في الفصل الخامس - المشهد الثالث، بالإضافة إلى تأثر شكسبير بالطبيب الخيميائي الألماني Paracelsus الذي شاعت كتاباته ومعتقداته حتى بين العامة في العصر الإليزابيثي.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.