انتشار القراءة أفقر المؤلف

انتشار القراءة أفقر المؤلف

الأحد - 18 محرم 1442 هـ - 06 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [15258]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

الخميس الأول في الخريف، يعرف في عالم الكتب والنشر بخميس القمة super Thursday في بريطانيا، حيث تعرض محلات بيع الكتب أكبر دفعة من الطبعة الأولى بالتجليد الفاخر الهارد باك. ستمائة كتاب بالإنجليزية طبعة أولى ظهرت في خميس هذا الخريف منذ ثلاثة أيام في محلات الكتب في بريطانيا، وهي كتب مؤلفة وليست وثائقية في مجالات متعددة، ولا تشمل الأرقام الكتب الأكاديمية والعلمية المتخصصة والمناهج الدراسية.

ويعزو اتحاد دور النشر الزيادة بنسبة 29 في المائة عن العام الماضي، حيث نزل للسوق 426 كتاباً في خميس 2019. إلى تأخر صدور كتب كثيرة الشهور الماضية، بجانب مئات كانت ستصدر لمعرض لندن الدولي للكتاب، الذي يقام في مطلع الربيع، والسبب وباء «كوفيد - 19» المستجد، الذي أدى إلى تعطيل صدور كثير من الأعمال. ومن ضحايا التأجيل كتابي الجديد عن إسكندرية الكوزموبوليتية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ وبدلاً من عرضه للبيع في خميس القمة سيتأجل نشره إلى الربيع المقبل على أقرب تقدير؛ فإغلاق الوقاية الفيروسية منعني من زيارة مراكز الوثائق، وإجراء المقابلات، بينما تعطل الباحثون عن السفر لمطالعة وثائق مكتبة الإسكندرية وسجلات بلديتها.

ولست الوحيد الذي عطلته إجراءات مكافحة الوباء، بل مئات من المؤلفين عاجزون للأسباب نفسها عن إتمام نصوص الكتب التي تعاقدوا لنشرها، حسب الخطاب الدوري الشهري لجمعية المؤلفين البريطانيين. وهي الجمعية التي تقوم بجمع القروش القليلة التي تدفعها المكتبات العامة كل مرة يستعير قارئ أحد كتبنا، أو تقوم هيئة علمية أو صحف بتصوير بعض صفحات الكتاب أو اقتباس فقرات منه، وتدفعها للمؤلف كل ستة أشهر بعد خصم أتعاب التحصيل.

تحذير آخر تضمنته رسالة الجمعية لأعضائها مساء الخميس بأن زيادة عدد الكتب بمقدر الثلث سيقلل فرصة المؤلف في زيادة المبيعات، وبالتالي يؤثر على دخله. والمؤلف هنا في بريطانيا لا يكتب للشهرة، وإنما هو عمل لكسب الرزق كأي مهنة. النجوم وكبار الأثرياء والرياضيون فقط يصدرون كتباً للشهرة، فيوظفون المؤلف الخفي ghost writer الذي يجري البحث ومقابلات كثيرة معه ثم يصوغ الكتاب بأسلوب شائق ويضع النجم اسمه على الغلاف كمؤلف.

والتأثير لن يكون على دخل المؤلف فقط، بل كتب جديدة لمؤلفين ومؤلفات من شباب غير معروفين، ستضيع فرصتهم في زحمة إصدارات تزداد بنسبة الثلث.

التوقيت وسبب تسمية الخميس السوبر أنه يعطي محلات توزيع الكتب فرصة عرضها، في أسبوع أو قبيل افتتاح الجامعات في الشهر نفسه، فكثير منها قرب المعاهد والكليات الدراسية ودخول الأساتذة والطلبة المحلات، يكون فرصة للتعرف على كتب أخرى في الآداب والعلوم والفنون والروايات والفلسفة، وحتى السخرية والمرح، فيشترونها إضافة.

كما يقع خميس القمة على أول طريق مهم لمبيعات الكتب، مثل معرض فرانكفورت الدولي للكتب في النصف الأول من نوفمبر (تشرين الثاني)، وهو أهم معرض كتاب عالمي حيث يأتي الناشرون من أرجاء المعمورة ويتعاقدون على إعادة نشر الكتب في العالم الأنغلوسكسوني أو ترجمتها للغات أخرى؛ كما يترك التوقيت الفرصة لاطلاع النقاد على الكتب وعرضها النقدي في الصفحات المتخصصة، خلال 14 أسبوعاً قبل موسم التسوق لهدايا أعياد الميلاد. فلا يزال الكتاب، خاصة الجديد، من الهدايا المفضلة للتبادل لدى الشعوب التي تعودت على القراءة في المواصلات العامة، وأثناء الإجازة، وقبل النوم، وعند الانتظار في صالون المزين أو عيادة الطبيب.

صناعة الكتب والنشر توظف 199 ألف شخص في المملكة المتحدة، وتزيد مساهمتها في الدخل القومي عن 12 مليار جنيه (16 مليار دولار)؛ ومبيعات الكتب وحدها بلغت ستة مليارات و300 ألف جنيه (8.5 مليار دولار) في عام 2019 في بريطانيا التي تحتل المركز الثالث في الكتب الصادرة عالمياً بـ184 ألف كتاب سنوياً، بعد الصين بقرابة 450 ألف كتاب، والولايات المتحدة بـ305 آلاف كتاب (مصر في المركز الـ 41 بأقل من عشرة آلاف كتاب سنوياً، ولبنان في المركز الـ54 بـ3686 كتاباً، وبقية بلدان الجامعة العربية مجتمعة تصدر 14 ألف كتاب فيما بينها في العام) من مجموع قرابة مليونين و210 آلاف كتاب سنوياً حول العالم، حسب الإحصاء السنوي لهيئة يونيسكو التابعة للأمم المتحدة.

ويبلغ أعضاء جمعية الناشرين البريطانيين الذين يزيد إيرادهم السنوي عما قيمته ثلاثة ملايين و500 ألف دولار، مما يزيد على 130 دار نشر، أما دور النشر الصغرى والمستقلة فتزيد على 150. وبجانبها تنشر كثير من الجامعات لأكاديمييها؛ والصحف الكبرى تنشر كتباً لصحافييها وتشاركهم دخل المبيعات. وبجانب مؤسسات دخلت سوق النشر حديثاً لتمزج الطباعة بنظام «بي دي إف» بنسخة إلكترونية على الإنترنت مثل «أمازون» و«غوغل» و«كوبو»، فإن هناك عشرات من الناشرين الصغار الذين يعملون بطريقة اقتصادية من منازلهم وليس لهم مطابع خاصة؛ كما أن هناك تقليداً قديماً يعرف بالنشر الذاتي حيث يقوم المؤلف بنشر كتابه بنفسه متحملاً تكاليف الطبع والدعاية والتوزيع ومشاركة باعة الكتب في الدخل. قد ازداد عدد كتب النوع الأخير بنسبة 40 في المائة العام الماضي مهدداً أرباح دور النشر.

الناشرون يقللون من تأثير الأضرار المالية للحجر الصحي لـ«كورونا»، فعزلة الناس لأنفسهم في البيوت بدلاً من الذهاب للمسرح والسينما وأماكن اللهو أدى إلى التوسع في القراءة. فإحصائية كتاب نيلسين وجدت أن 41 في المائة من البريطانيين ازدادت عدد الساعات التي يقضونها في قراءة الكتب من متوسط ثلاث ساعات ونصف إلى ست ساعات أسبوعياً.

لكن جمعية دور ومحلات بيع الكتب، التي تناقص عدد أعضائها من 1894 في عام 1995 إلى 833 في العام الماضي غير متفائلة بزيادة 80 في المائة في عدد ساعات القراءة، فمعظم الطلبات كانت «أونلاين» من موزعين كـ«أمازون»، وليست كتباً تشترى من محلات الكتب للمطالعة في القطارات؛ ومعظم الزيادة كانت تنزيلاً من الإنترنت على «كيندل» و«آيباد». والنسخة الإلكترونية إما مجانية أو تباع دون خُمس ثمن الكتاب المطبوع، كما أن كثيرين يشاركونها فيما بينهم، مما خفض دخل المؤلف ودخل باعة الكتب.

فبينما ازدادت المبيعات عموماً فإنها انخفضت في حالة الكتب المطبوعة بمعدل خمسة في المائة ذهبت إلى مبيعات السوق الإلكترونية.

المزعج هو السيكولوجيا الجماعية للقراء الجدد؛ فأكبر زيادة كانت في dystopian fiction أي روايات تصور المستقبل سوداوياً تحكمه ديكتاتورية قمعية شمولية على نمط رواية 1984 لجورج أرويل.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة