قبل أيام كنت في زيارة لمصنع كبير في الكويت. وبعد أن قطعت مع الرئيس التنفيذي نحو ثلاثمائة متر، ونحن نشاهد ونسمع هدير الآلات وهي تلقي بمنتجاتها في نهاية خط الإنتاج، لاحظت أن أحداً لم يكن موجوداً بجانب الآلات فائقة الجودة والسرعة. هنا عادت بي الذاكرة إلى فضل بريطانيا العظمى على سائر شعوب العالم، التي أدخلتنا إلى عصر الثورة الصناعية، بالاستفادة من الفحم وغيره من موارد في تدشين عصر المصانع الذي غيَّر شكل العالم بأسره.
غير أن الفضل يعود أيضاً إلى عَلَم من أعلام الإدارة، العالم فريدريك تايلور (توفي عام 1915) الملقب بـ«أبو الإدارة العلمية»، فهو أول من جاء بفكرة ضرورة البحث عن «أفضل طريقة علمية» لإنجاز العمل، فلا يعقل أن نترك الإنتاجية المصنعية مرهونة بهمة العاملين ومدى اجتهاداتهم وذكائهم وخبرتهم. هذا التفكير أحدث نقلة نوعية في عالم الصناعة. فبعد عقدين من محاولات بث أفكاره عبر جامعة «هارفارد» والندوات، بدأت الناس تلتفت إليه تدريجياً، حتى وقعت حادثتان حولتا الأنظار نحو هذا العالم الكبير. وذلك عندما طلبت مؤسسة طريق السكة الحديدية الشرقية، في عام 1911، رفع نسبة العمولة التجارية على القطارات التي تستفيد من خدماتها. هنا أثار ذلك حفيظة كثيرين. وقيل لها بأن المؤسسة كان يمكن أن توفر (بدلاً من تلك العمولة) مليون دولار أميركي يومياً (ما يقارب 17 مليوناً بأسعار اليوم) لو أنها طبقت الإدارة العلمية في عملياتها، كرفع الكفاءة في الأداء. وشكَّلت هذه الفكرة حجر الزاوية في جلسة محاكمة شهيرة. فذاع صيت تايلور في العالم، وكتابه الأيقونة «مبادئ الإدارة العلمية»؛ لأنه قدم ما اعتُبر آنذاك أفضل طريقة علمية تأخذنا نحو الحل الأنسب للمشكلة التي تواجهنا، حسبما ذكر ستيفن روبنز، في كتابه «الإدارة».
وفي عام 1914 أقام تايلور معرضاً كبيراً في مدينة نيويورك حضره 69 ألف شخص، وهو رقم هائل في ذلك الزمان. وبدأت أفكار تايلور تنتقل رويداً رويداً إلى فرنسا وألمانيا وروسيا. وقبل ذلك أنعشت أفكاره الصناعات الأميركية بكفاءتها العالية، وهو ما استمر لنحو خمسة عقود متتالية، حتى دخلت على الخط اليابان التي أبدعت في التفنن في أساليب إدخال العلوم في رفع الكفاءة، مثل مفهوم «الكايزن»، والتصنيع الرشيق (lean)، والجودة، وغيرها، ثم تبعتها الصين وغيرها في مرحلة لاحقة.
وكلما رأيت مصنعاً تذكرت تلك التجربة الشهيرة لتايلور التي طبقها على مصنع الحديد في بنسلفانيا؛ حيث كان شغوفاً بإيجاد حل لمشكلة لعدم كفاءة العاملين؛ إذ كان يعتقد أن مخرجات العاملين لا تتجاوز سوى ثلث المأمول منهم. فقدَّم قواعد إرشادية قابلة للتطبيق في مصانع أخرى. وربط الإنتاجية بمردود مادي، فنجحت الخطة بارتفاع إنتاجية العاملين إلى 200 في المائة.
والأعجب أن أساليبه لم تكن ضربة حظ؛ بل استمرت نتائجها بصورة متسقة consistent حتى يومنا هذا، ولكن بصورة مختلفة أسهمت في إيقاظ المؤسسات من غفلتها، التي كان المسؤولون فيها يعتمدون على اجتهادات العاملين وذكائهم، وينسون أن المرء زائل، وما يبقى هو النظام المدروس البعيد عن مدى التعلق بالهمة والمزاجية. ولذا لا غرابة إذا ما أطلق على تايلور لقب «أبو الإدارة العلمية». فصورته يجب أن تعلق على كل مصنع.
TT
«الأب الروحي» للإدارة والمصانع
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
