خدعة الشهادة وضحايا المهارات

خدعة الشهادة وضحايا المهارات

الخميس - 18 ذو القعدة 1441 هـ - 09 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15199]

وقّع الرئيس الأميركي قراراً تنفيذياً مهماً، يبدو أنه قد مرّ مرور الكرام في عالمنا العربي، يقضي بتوجيه فروع الحكومة الفيدرالية للتركيز على المهارات بدلاً من الشهادات في مناصب التعيين.
ابنة الرئيس إيفانكا ترمب التي تحمل على عاتقها مهمة تطوير القوى العاملة، قالت لوكالة أسوشييتد برس الأميركية: «نحن نعمل على تحديث التوظيف الفيدرالي، للحصول على مرشحين يتمتعون بالكفاءات والمعرفة اللازمة، بدلاً من مجرد التوظيف بناء على الشهادة».
وهذا لا يعني إلغاء شروط الحصول على الدرجة الوظيفية، لكن القرار يأتي في محاولة لإعطاء الأولوية للمهارات الوظيفة، بحيث تصبح الدرجة العلمية ذات أهمية أقل من المهارة.
مشكلتنا في العالم العربي أننا ما زلنا نعظم الشهادة على حساب المهارة والموهبة. أذكر أنني قلت ذات يوم لمدير توظيف: لديّ مرشح ربما يناسبكم لكن كيف ستحسبون له خبرته في العمل الحكومي (على اعتبار أنه من نوابغ المؤسسة)؟ فقال: نضيف 30 دولاراً على راتبه، وذلك عن كل سنة عمل فيها في الحكومة! شعرت أنها إهانة بالغة لخبرة الموظف وشخصه، فضلاً عن سطحية تقدير الكفاءات، حتى في القطاع الخاص.
سألني ابني ذات مرة، ونحن نسير بين أزقة مدينة نيس الفرنسية، كم يجني من المال هذا الفنان المبدع الذي رأيناه منهمكاً في عمل إبداعي تجمهر حوله الناس؟ فقلت: في بلادنا إذا تفرغ هذا لعمله فهو يكاد يجمع قوت يومه! وقد روى لي فنان عربي في معرضه مواقف كثيراً ما تؤلمه، منها عندما يدخل عليه الزوار وتعجبهم لوحة من لوحاته ثم تبدأ حفلة «المفاوضة» لتخفيض السعر إلى النصف، فيما اعتبره «إهانة لموهبته». هذه النظرة القاصرة والقوانين المقيدة صرفت أنظارنا عن تقدير مواهب الناس.
ويمكن للمنظمات تجاوز ذلك بتحديد نسبة تعيين سنوية بناء على المهارة والموهبة «تسبق الشهادة» بشروط محددة تخضع مثلاً لموافقة لجنة متخصصة «لتقليل المحسوبية أو المحاباة». وقد فعلت ذلك بالفعل شركة IBM الأميركية بتعيينها لنحو 15 في المائة من العاملين لديها في العام 2019 بناء على قدراتهم ومهاراتهم وليس بناء على شهاداتهم التعليمية. ولم لا تصبح حكوماتنا العربية مثالاً يحتذى؟ فالولايات المتحدة، التي تعد أكبر مُوظِف للقوى العاملة (نحو مليوني موظف مدني) قد أقدمت على قرار تقدير الكفاءة، وذلك «لتكون مثلاً يحتذى» للقطاع الخاص، بحسب ما قالته إيفانكا. والمفارقة أن الولايات المتحدة التي فيها أقوى جامعات في العالم لا يحمل ثلثا الأميركيين شهادة جامعية فيها. ورغم ذلك أيضاً تحاول الحكومة استقطاب الأكفأ من ناحية المهارة قبل الشهادة. وما زالت تقود أميركا العالم لعقود بمؤسساتها الراسخة التي تجدد نفسها بصورة مستمرة، لتبقى في الصدارة.
أما نحن فلا بد أيضاً أن نعيد النظر فيما يتقاضاه الناس من رواتب. فمن غير المعقول أن ننشد مجتمعات صناعية ومتقدمة في حين نمنح الفني الموهوب راتباً أقل من الجامعي. فما زال حملة الدبلوم التطبيقي يتقاضون رواتب هزيلة وكأنها إشارة إلى أنهم ليسوا مرغوباً فيهم. وهو أمر مختلف في ألمانيا مثلاً التي تقدر المهارات التطبيقية بشدة، حتى صارت تصدر لنا أقوى المعدات، والمكائن، والمنتجات العالمية، لأنها أمة تحترم المهارة والموهبة. وربما هذه أحد أسباب هجرة العقول العربية للغرب، وسرّ تدافع الناس نحو التقاعد المبكر هو الهروب من جحيم عدم التقدير. وبعد ذلك كله لن نستغرب محاولة نيل الناس لشهادة بأي ثمن.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة