فوكاياما وأزمنة «البجع الأسود»

فوكاياما وأزمنة «البجع الأسود»

السبت - 13 ذو القعدة 1441 هـ - 04 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15194]
إميل أمين
- كاتب مصري

لا يحتاج المفكر الياباني الأصل، الأميركي الجنسية فرانسيس فوكاياما إلى التعريف، أنه رجل نهاية التاريخ، والآن يعود بنا إلى نظرية «البجع الأسود»، التي تشير إلى صعوبة التنبؤ بالأحداث المفاجئة، فالبجع كله أبيض، وعليه فإنَّ اكتشاف بجع أسود أمر نادر ومفاجئ، وشيء يصعب توقعه.
في العدد الأخير من مجلة «فورين آفيرز» الأميركية يناقش فوكاياما مآلات العالم غير المتوقعة في ظل جائحة كورونا، ويأخذنا إلى حنايا وثنايا قد تغيب عن العوام، لكنها واضحة في ذهن مفكر إشكالي مثله.
حاجج الكثيرين مؤخراً بأن «كورونا» ستغير العالم، في حين رفض فريق آخر هذا القول، واعتبروا الجائحة جملة اعتراضية في مسيرة البشرية، لا ترقى إلى مستوى وباء الإنفلونزا في أوائل القرن العشرين، أو الكساد الاقتصادي الذي تلاه.
على أنَّ فوكاياما يصحبنا في قراءة علمية استشرافية رصينة تليق به، تبدأ من عند الدول التي تماسكت في مواجهة الوباء، وتلك التي أخفقت في ملاقاته.
يضع المفكر الأميركي ثلاثة معايير أو أركان للتفريق، وهي قدرة الدولة، والثقة الاجتماعية، والقيادة، وعليه فالدول التي تملك جهاز دولة واضح الاختصاصات، وحكومة يثق بها المواطنون ويستمعون إليها، وقادة فعالين، كان لها أن تنجوَ، أما تلك التي تعاني من اختلالات تكتونية في بناها، ويعرف الاستقطاب على أنواعه طريقه إلى مجتمعاتها، وتلك التي غابت عنها معالم وملامح القيادة فقد كان أداؤها سيئاً، وعرّض مواطنيها للخطر.
يفكك فوكاياما استحقاقات «كوفيد – 19»، ويمضي في الاتجاهات الثلاثة الكبرى، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، وفي جميعها يتسرب الخوف إلى النفوس.
اقتصادياً يلفت إلى أنَّ الكساد قادمٌ لا محالة، وربما لن تنجوَ سوى الشركات العملاقة، وسيحقق عمالقة التكنولوجيا الرقمية تحديداً مكاسب فلكية، وهو حادث بالفعل كما الحال مع جيف بيزوس ومارك زوكربيرغ.
سياسياً قد تكون العواقب أخطر، فالاقتصاد المتدهور سيلقي بتبعات على أحوال السياسة وبوصلتها، ما يمكن أن يؤدي إلى توترات تتحول إلى رد فعل سياسي عنيف، ولكن ضد من؟ لم يتضح الأمر وبذلك يضعنا فوكاياما أمام استحقاقات «البجع الأسود».
اجتماعياً يوضح أن الهوة بين البشر ستتعمق أكثر؛ فالأغنياء وأصحاب رؤوس الأموال ستزداد فرص مراكمة ثرواتهم من جديد، والفقراء والمطحونون سيتشرنقون في حبال الفقر، مع الأخذ بعين الاعتبار الارتدادات المخيفة المتوقعة والتي تنذر بانفجارات مجتمعية كارثية عند نقطة بعينها.
لكن ماذا عن التوازنات الدولية فيما بعد «كورونا» – إن كان لها بعد – وتراتبية القوة عالمياً، وهل خسرت أميركا مربعات نفوذ وقوة لصالح الصين خلال الأشهر الأربعة المنصرمة؟
يقطع فوكاياما بأنَّ الصين حكماً سوف تستفيد ولو بشكل نسبي، في حين مكانة أميركا الدولية تراجعت بشكل هائل على حد وصفه، وإن استمر الوباء أو تفشى في جولات لاحقة، فإنَّه قد يؤدي إلى انحدار نسبي للولايات المتحدة، وسوف يعمل على استمرار تآكل النظام الدولي الليبرالي، مع احتمالات عودة الفاشية إلى جميع أنحاء العالم.
يلفت مقال: «الفورين آفيرز» إلى أنَّ أشهر انتشار «كوفيد - 19» المستجد، قد كان وبالاً على الحريات الشخصية؛ إذ افسحت المجال واسعاً لـ«الأخ الأكبر والآذان المترصدة»، للتحكم في الشعوب، والذريعة هي مقاومة انتشار الفيروس الشائه، وباتت المعضلة الآن: «الوباء والحريات، وقد كانت من قبل الأمن والحريات».
هل ستؤدي الجائحة إلى نشوب حروب أو صراعات دولية؟
يبدو أنَّ فوكاياما لا يزال يتبع تحليلات المدرسة الكلاسيكية القديمة في زمن الحرب الباردة التي ترى أنه طالما هناك توازن ردع نووي، فإنه من الصعب الانخراط في مثل تلك الحروب، ويبدو أنه قد فاته تغير أشكال تلك المواجهات، والتي يمكن أن تنطلق في الفضاء السيبراني وتتسبب في خسائر فادحة لا تقل هولاً وإن بشكل مغاير.
من النقاط الجيدة التي أشار إليها فوكاياما مسألة تعرية الديماغوجية، وعدم الكفاءة التي تغلف كثيراً من الأنظمة حول العالم، مثل النظام الإيراني الذي انكشف داخلياً وخارجياً ولم تشفع له برامج صواريخه أمام أعداد الموتى والمصابين، في ظل انهيار نظام صحي حقيقي.
لكن على الجانب الآخر، هل يمكن أن تكون المحنة منحة؟
يحاجج الرجل بأنَّ صدمة «كورونا» يمكنها أن تعيد تنشيط الليبرالية الديمقراطية من ناحية، وتهيئة الظروف للإصلاح البنيوي الذي طال انتظاره.
من جهة ثانية، أظهر انتشار «كورونا» أهمية «الحكومة»، في دولاب الدولة، وأثبت عدم صدقية ما قاله رونالد ريغان من أنَّ «الحكومات» هي سبب الأزمات وليس حلها؛ إذ لم تبلغ البشرية مستوى اليوتوبيا الذي يسمح للأفراد بإدارة شؤونهم من دون إدارة عليا، وعليه فإنه قد يكون الوقت الملائم لوضع حد للأشكال المتطرفة من الليبرالية الجديدة التي نادى بها خبراء اقتصاد جامعة شيكاغو مثل جاري بيكر، وميلتون فريدمان، وجورج ستيجلر، وغيرهم.
لا يبدو فوكاياما صديقاً للرئيس ترمب، فقد وجّه له نقداً لاذعاً للغاية، واعتبره القائد الأكثر إثارة للخلاف في تاريخ أميركا الحديث، وعنده أنه أخفق في توظيف الأزمة بشكل فعال، وهذا يؤدي إلى أنَّ فرص عودة الديمقراطية أو النظام الدولي الليبرالي على نطاق واسع سوف تنخفض.
على أن الأزمة قد تحفز التعاون الدولي من خلال تعميق شبكة اتصالات العلماء في سبيل الخير العام لإيجاد اللقاح والدواء، وتظهر مبادرات الخير عند القطاع الخاص والأفراد، وتحث الحكومات الرشيدة على الاهتمام بالعمل الاجتماعي.
بجعات فوكاياما السود كثر، وقد يتزايد عددهم إذا شهدنا عودة جديدة للفيروس، وقانا الله وإياكم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة