التضامن العربي وإعادة بناء النظام

التضامن العربي وإعادة بناء النظام

الجمعة - 12 ذو القعدة 1441 هـ - 03 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15193]
رضوان السيد
كاتب وأكاديميّ وسياسي لبناني وأستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية

لفت الانتباه إعلان المملكة العربية السعودية عن اهتمامها بالأمن المائي لمصر وللسودان، وذلك بعد دعمها المبادرة المصرية في ليبيا بالقول وبالفعل. وكان صديقٌ أقدّر خبرته في السياسات العامة، واهتمامه بالشأنين الليبي والعربي العام، قد علّق على مقالتي بجريدة «الشرق الأوسط» عن المبادرة المصرية من أجل السلام والاستقرار في ليبيا أنها يمكن أن تنجح لو كان الوسيط أو المبادر حيادياً مثل الألمان مَثَلاً، لكنّ مصر طرف! وقد أدركت من ملاحظته تلك، أنه لم يفهم مقصدي في المقالة. فأي عربي يمكنه أن يكون محايداً في شأنٍ عربي مثل فلسطين أو ليبيا أو سوريا أو اليمن، ما قصدتُه أنّ مصر اتخذت موقفاً لحماية أمنها الوطني، وحماية جوارها العربي، ولو اضطرت لاستخدام دبلوماسية القوة إلى جانب قوة الدبلوماسية. فالإيرانيون مستعدون دائماً لاستخدام القوة من طريق الميليشيات الموالية لهم ومن طريق «الحرس الثوري»، من أجل ما يعتبرونه مصالح استراتيجية لبلادهم وحلفائهم في عدة دولٍ عربية. والأتراك مستعدون لاستخدام القوة العسكرية والميليشيات والمرتزقة لصون أو اختراع مصالح استراتيجية في القريب والبعيد. ونحن نشاهد من سنواتٍ مظاهر للإنكار والاستنكار دولياً وإقليمياً للتدخلات التركية والإيرانية في الدول العربية، من دون أن يردع ذلك الدولتين أو يحول دون تدخلاتهما، وإسهامهما في استمرار الاضطراب والتخريب للمصالح المعلومة والمجهولة! وبالطبع فإنّ هدف كل جهدٍ عربي استعادة السلام والاستقرار في الدول العربية المضطربة. بيد أنه باستثناء اليمن وليبيا حيث تستخدم دبلوماسية القوة؛ فإنّ التدخل الدبلوماسي البحت ما نفع، بل ظلت تلك «الحيادية»، وإن كانت مقرونة بالقرارات الدولية، بدون آثارٍ محسوسة تخدم الاستقرار والسلام.
كنتُ في ربيع العام 2013 بصحبة الرئيس فؤاد السنيورة عندما قابل وزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل. وكان الرئيس السنيورة مهموماً بالتطورات العاصفة في سوريا وكنتُ مشدوهاً بالتطورات المصرية حيث استولى «الإسلام السياسي» على السلطة ديمقراطياً (!) وقال الأمير سعود فيما أذكر؛ لا خوف على مصر، ولا على تونس والجزائر، لأن الجيش الوطني هناك واحدٌ وقادر، والدولة العميقة في البلدان الثلاثة فيه ومعه. وإنما الخوف على سوريا حيث يتفكك الجيش ويتحول إلى ميليشيا طائفية، تستدعي ميليشيات طائفية أخرى لإعانتها، ويمتشق الثوار السلاح ويصبحون ميليشيات أيضاً. وما دامت إيران قد تدخلت، فستتدخل تركيا، والأميركان والروس قريبون أيضاً. طوال أكثر من سنتين عملت الدبلوماسية العربية بدون طائل، لأننا ما امتلكنا غير ضغوط الوساطة والقرارات الدولية. لو كان بالوسع أو بالأفق إمكان التدخل العربي من أجل استعادة الاستقرار لما تجرّأ الإيرانيون ولا غيرهم! وما حدث في سوريا، حدث مثله في عدة دولٍ عربية، والحبل على الجرّار، دبلوماسية التفاوض من دون الإمكانات الأُخرى على الطاولة، تستدعي الطامع القريب والبعيد، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
سيقول «الحكماء»، وقد قالوا، لكنّ التدخل في اليمن ضد الانقلاب ما نجح في استعادة البلاد لصالح الشرعية حتى الآن. والذين يعرفون اليمن، يعرفون أيضاً أن البلاد اليمنية إن تُركت للسلالية الحوثية، فهي تعني حروباً لا تنتهي، و3 كيانات على الأقل، وبقاء «القاعدة» هناك، ونزاعات حدودية بين الكيانات في الجبال والسواحل، وضياع أمن البحر العربي والبحر الأحمر، وأخطار دائمة على بلدان الخليج، أين منها أخطار جبهة تحرير عُمان والخليج في السبعينات، إبّان الحرب الباردة؟!
لقد بادرت المملكة ودولة الإمارات من أجل سلامة اليمن وسلمه ووحدته، ومن أجل سلامة أمن الخليج ودوله.
والمبادرة المصرية اليوم من أجل ليبيا، والتي أيّدتها معظم الدول العربية، ومعظم المجتمع الدولي، تقوّي وتفتح أفق السلام والأمل، وتساعد على العودة إلى مؤتمر برلين والحلّ السلمي التفاوضي. وهي البديل للميليشيات وللغزو التركي ومرتزقته. ولولا القبضة المصرية على الطاولة لزاد في المستقبل القريب الانقسام، واستمر النزاع والحروب.
إننا نشهد منذ الاجتماع الأخير للجامعة العربية عودة للتضامن العربي، وللدفاع المشترك، والعمل العربي المشترك. وهو الأمر الذي غاب منذ مؤتمر القمة بسِرت الليبية عام 2010. في العادة، وفي أزمنة الأزمات، تظهر بوتقة عربية صلبة تحاول الاستدراك، واستعادة الرشد والتضامن وصَون المصالح. ووسط تكاثر المشكلات الموروثة والحاضرة مع المحيط وبالدواخل، هناك المملكة ومصر ودولة الإمارات والكويت والأردن بالمشرق والخليج. ولذلك يعود العمل الدؤوب لإعادة بناء النظام العربي الذي تصدّع، ليس بسبب الخلافات العربية كما يقال، بل بسبب التدخلات الإيرانية والتركية، وعمل السياسات الدولية معهم في غياب العرب أهل الدار!
ما بقيت ناحية في العالم المعاصر يجتمع عليها هذان الداءان الخطيران اللذان يجتمعان على دول الاضطراب العربي؛ التدخلات الخارجية، والميليشيات المسلحة التي صارت تعمل عندها. وللدول العربية في هذه «الحلقة الصلبة» علاقاتها الممتازة بالنظام الدولي، وبالدول الكبرى. وينبغي أن تكون للدبلوماسية الحية والمتحركة قدراتها التي تسمح بكبح التدخلات بالتدريج، بالتوافق مع المجتمع الدولي. أما الميليشيات فليس لها إلا الجيوش الوطنية التي ينبغي دعمها بدون تردد لكي تستعيد قوامها الوطني وقدراتها. ولنتوقف عن الإصغاء إلى التحليلات بشأن قوى الإسلام السياسي. فليس في الإسلام مشكلة، لأنه لا يمكن لدينٍ عالمي مثل الإسلام أن يتحول إلى آيديولوجيا لميليشيات تحمل راياتٍ مزوَّرة، وتستخدمها في إرهاب الناس، وسلب الثروات، والعمل عند من يدفع أكثر. إنها فرصة بعد غياب كل الفُرَص، فرصة لسلامة البلدان، وسلام الإنسان، وصون مصالح المجتمعات، فهل يُعقل في بلدٍ عربي كبير وغني مثل العراق ألا تتمكن الحكومة من دفع مرتبات موظفيها، وأن تستعرض ميليشيا مسلحة قواها في الشارع دونما حسيب ولا رقيب؟! وهل يُعقل في بلدٍ عربي مثل لبنان مزدهر وطليعي منذ قرنٍ ونيف، أن يُفلس ويجوع شعبه، لأن الميليشيا المسلحة وحلفاءها يريدون ذلك؟ وما يقال عن لبنان والعراق، يقال مثله وأكثر عن ليبيا العربية.
لا مخرج إلا بالتضامن العربي، والمبادرة العربية، من أجل الإنسان والعمران.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة