لبنان: سفر الخروج الجديد والأخير!

لبنان: سفر الخروج الجديد والأخير!

الثلاثاء - 9 ذو القعدة 1441 هـ - 30 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15190]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر

زمن التناقض والحيرة. هذا هو أبلغ تعليق سمعته كوصف شامل لحال العالم اليوم.
أتابع المشهد اللبناني بحزن عميق، هذا البلد الجميل الذي يسلب عقول الناس بطبيعته الساحرة الخلابة، ولا يفسدها سوى بعض الساسة المرتزقة الذين يكرهون بلادهم ويتآمرون عليها. أرقام مفزعة تلك التي يقدرها بعض المتخصصين عن حجم الهجرة المنتظرة من اللبنانيين عموماً، ومن المسيحيين منهم تحديداً، إلى بقاع العالم المختلفة بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية بشكل لم يعد من الممكن تحمله أبداً.
ليست هذه المرة الأولى التي يقدم عليها اللبناني للهجرة؛ فهناك نقاط مهمة في تاريخ الهجرة اللبنانية إلى العالم، بدأت بشكل أساسي منذ نهايات القرن التاسع عشر، ومع تداعيات الخلافة العثمانية، وبعدها كانت موجتا الهجرة في عامي 48 و67 المرتبطتان بحروب مع إسرائيل، وهناك موجة الحرب الأهلية التي تواصلت على مدى عشرين عاماً، والآن مع أفول التميز الاقتصادي للبنان، وعودة بوادر دولة بوليسية بشكل مخيف، وطغيان دولة الحزب الواحد الطائفي على حساب الدولة المدنية التي عرف بها لبنان، وكانت الضمان للحرية والتعايش، أصبحت استمرارية الحياة فيه بكرامة مسألة شبه مستحيلة.
لبنان الذي صدر للعالم أيقونات الثقافة والأعمال والفنون يقف عاجزاً مكسوراً، وعملة بلاده تتهاوى في سقوط حر لا قاع له، ومصارفه عاجزة عن تلبية احتياجات مودعيه، وطوابير الخبز باتت مشهداً اعتيادياً لا ينافسها فيها إلا المشاهد الصادمة لمن يبحث في صناديق القمامة عن طعام ليسد به جوعه، أو من يرقد على قارعة الطريق عارضاً إحدى كليتيه للبيع، في مشهد أقل ما يوصف به بأنه مأساوي.
وما يزيد الطين بلة هو خروج زعيم تنظيم إرهابي يقدم حله «السحري» لعلاج مشاكل لبنان الاقتصادية، وذلك باقتراحه بالاتجاه شرقاً صوب الصين من دون أن يفهم ويستوعب ما يقول. الصين تثقل كاهل الدول التي «تتعاون» معها تحت مسمى مبادرة «الحزام والطريق»، فها هي باكستان أكبر الدول المستفيدة من «الدعم» الصيني تستغيث وتئن تحت أعباء الديون حتى «تستسلم» وتتنازل عن «أصولها» كالموانئ والمصانع لصالح الصين مقابل شطب الديون. والمبادرة المذكورة هذه ثبت أنها من النادر أن توظف العمالة المحلية، ولكنها تعتمد في المقام الأول على عمالة صينية رخيصة التكلفة، بالإضافة طبعاً إلى بضاعة صينية يتم استيرادها، فلا استفادة تتحقق للعمالة ولا المنتجات المحلية. فهذا الاقتراح بالتالي لا يمكن أن يفيد بلداً يعاني من البطالة مثل لبنان. أما عن اقتراحه بالتعاون مع فنزويلا وإيران وسوريا فهو لا يستحق جدارة التعليق عليه بجدية واحترام.
سفر الخروج في العهد القديم هو من الأسفار الأساسية، ولدي صديق لبناني وصف وضع المسيحيين اليوم وهم يتأهبون للهجرة بأن المشهد ممكن وصفه بأنه «سفر الخروج الجديد والأخير». ولم يتوقف عند ذلك الوصف بل أضاف بتأثر وحزن عميق «حتى زعماؤنا مشاركون في جريمة تهجيرنا».
كان لبنان ذات يوم سويسرا الشرق، وبات اليوم قُم الغرب، وبين الوصفين تسمع فيروز تصدح بصوتها الملائكي، وتتساءل «شو بيبقى من الرواية». أكبر بنوك لبنان اسمه «لبنان والمهجر»، وأهم أدبائها كانوا في المهجر من أمثال جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني، وهناك العشرات من قصص النجاح الاقتصادية التي صنعت في المهجر. الاغتراب والمهجر كانا دوماً جزءاً يفتخر به في الثقافة اللبنانية والذاكرة الجمعية لمجتمعه، ولكن هذه المرة المسألة مختلفة. كما قال لي صديق لبناني آخر «كان اللبناني دايما بيترك بلده لأن الغريب فات عليها وأخدها منه... هذه المرة واحد من البلد احتل البلد وعم يسلمها للغريب».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة