الخوف لا يمنع الموت

الخوف لا يمنع الموت

الأحد - 8 ذو القعدة 1441 هـ - 28 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15188]
علي المزيد
كاتب في الشؤون الاقتصادية

يقول الأديب العربي الكبير نجيب محفوظ ما نصه: «الخوف لا يمنع الموت، ولكنه يمنع الحياة»، وأديبنا العربي أطلق هذه الجملة وترك للناس تفسيرها، كلٌّ على ما يروق له. فالعسكر يرون أن الخوف لا يمنع الموت عند مواجهة الأعداء، ولكنه يمنع الحياة، فحينما يجبرك الخوف على أن تستسلم لعدوك فأنت ستصبح عبداً له، وأنتم تعرفون ذل العبودية.
والطالب الذي يخاف الامتحان ولا يدخله نتيجة الخوف تكون علامته صفراً، وقد رأيت عدداً قليلاً من زملائي أثناء مراحل الدراسة لا يدخلون الاختبار خشية الفشل، غير مدركين أن الخوف حقق ذات النتيجة.
وفي الاقتصاد، أو لنقل في التجارة، تنطبق مقولة أديبنا العربي مائة في المائة. فبعض التجار حينما يدرس جدوى مشروع معين يبالغ في تعظيم المخاطر فيترك المشروع، فيأتي تاجر آخر ويدرس الجدوى ويرى أن الأرباح أكبر من المخاطر، فيعزم أمره ويبدأ المشروع، فينجح نجاحاً منقطع النظير. لماذا؟ لأنه حيَّد الخوف.
وكذلك يفعل الشباب المبتدئون، فبعضهم أثناء دراسة مشروع معين - وإن كان صغيراً بالطبع - لا يرى إلا المخاطر، فيترك المشروع، فيأتي شاب آخر ويرى أن المشروع - على صغره - سينجح، ثم يبدأ المشروع وينجح، ويكبر المشروع، ويصبح تاجراً ميسور الدخل، ويصبح الشاب الآخر موظفاً لديه، وما ذلك إلا لأن الخوف منعه من الحياة.
وفعلاً الخوف لا يمنع من الموت؛ لأن الموت قادم قادم مهما طال العمر؛ لأنه النتيجة الحتمية لختام الحياة.
وأديبنا العربي نجيب محفوظ قال مقولته السابقة قبل «كورونا»؛ بل إنه مات قبلها، وفعلاً رأينا أن من لم يخافوا من الجائحة كُتبت لهم حياة جديدة، طبعاً بعد أن أخذوا الاحترازات الصحية. فبعض العاطلين عن العمل قبل الجائحة وجدوا فرص عمل جديدة، كمندوبي توصيل، وغيرها. وبعضهم أوجد لنفسه مشاريع صغيرة عبر الإنترنت وكسب منها، وقد تستمر معه حتى بعد الجائحة.
كذلك طورت بعض الشركات أعمالها، بعد أن حيدت الخوف، فها هي شركة «أمازون» توظف مائة ألف شخص أثناء الجائحة.
الخوف شعور طبيعي يرافق الإنسان، ولكنه يصبح مَرضياً إذا زاد عن حده ليمنع الحياة دون أن يمنع الموت، وإذا كان الموت قادماً قادماً لا محالة، فلماذا لا نغامر؟
وفي العملية التجارية فإن الناجحين في التجارة هم من أبعدوا الخوف عنهم، ليس فقط عند بدء مشروع معين، ولكن إبعاده عند تطوير مشاريع قائمة، فالبعض يخشى التطوير ليترك المنافسين يسبقونه بعدد كبير من الخطوات، والبعض يخاف التحول من نشاط تجاري قائم إلى نشاط آخر، رغم أنه يحس بأن نشاطه التجاري غير ملائم للسوق. فتكون النتيجة الطبيعية الفشل؛ لأن الزمن تخطى نشاطه القائم، ولأنه خاف التغيير، فلم يواكب السوق أو يتماشى مع متطلباتها.
ولقد رأينا شركات كبرى خرجت من السوق المحلية والعالمية لهذه الأسباب، ولخوفها من التغيير، رغم معرفتها أن من لا يتغير لا يتطور.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة