إجراءات الحجر الصحي البريطانية والمليارات الضائعة

إجراءات الحجر الصحي البريطانية والمليارات الضائعة

الاثنين - 17 شوال 1441 هـ - 08 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15168]

في الوقت الذي بدأت أعداد الإصابة بفيروس «كورونا» تتراجع، رفعت دول أوروبية القيود التي فرضتها على السفر للخارج وبدأ الناس يستعدون لإمكانية ركوب الطائرات من جديد. في الوقت ذاته، تغلق واحدة من أكبر أسواق السياحة عالمياً أبوابها فعلياً؛ ذلك أنه تبعاً لقواعد جديدة وضعت اللمسات الأخيرة عليها، سيتعين على أي شخص يصل المملكة المتحدة بدءاً من اليوم 8 يونيو (حزيران)، بما في ذلك البريطانيون العائدون من الخارج، المكوث قيد الحجر الصحي مدة 14 يوماً، مع فرض غرامات ضخمة ضد من ينتهكون قواعد الحجر الصحي.
من ناحيتها، تدعي الحكومة أن الحجر الصحي يعتمد على «أحدث الأدلة العلمية، وأنه ضروري للحيلولة دون مزيد من التفشي لوباء (كوفيد ـ 19)». إلا أنه مثلما الحال مع قاعدة التباعد الاجتماعي التي تفرض إبقاء مسافة مترين (6.5 قدم) بين كل شخص وآخر، تبدو الأدلة العلمية الداعية لقواعد الحجر الصحي الجديدة ضعيفة، بينما ستترتب على هذه القواعد تداعيات اقتصادية كبيرة.
لا شك أن النقل الجوي ساهم في تفشي وباء «كوفيد ـ 19» على نحو فتاك. وكشفت محاكاة رياضية وضعتها مجموعة من الباحثين بجامعة ستانفورد، نشرت مؤخراً، كيف أن تقليص حركة طائرات نقل الركاب كان له دور محوري في تقليل معدلات نقل العدوى. ويمكن للحجر الصحي أن يثبت فاعلية هائلة، خاصة عندما يكون من الممكن انتقال فيروس ما قبل ظهور الأعراض، ويمكن تحديد هوية الأشخاص الذين من المحتمل أن يكونوا حاضنين للفيروس وعزلهم.
إلا أن الكثير يعتمد على الالتزام بقواعد الحجر الصحي. أثناء تفشي وباء «سارس» عام 2003، حاولت تورونتو فرض حجر صحي واسع النطاق، لكنها وجدت أن معدلات الالتزام بقواعد الحجر الصحي كانت رديئة، مع التزام 57 في المائة فقط من الخاضعين للحجر الصحي بقواعد العزل. وفي ذلك الوقت، تسببت إجراءات الحجر الصحي في ضرر أكبر عن نفعها؛ الأمر الذي أثار قلقاً عاماً وتطلب قدراً هائلاً من الموارد الحكومية لفرض الإجراءات.
ومن غير الواضح ما إذا كان الحجر الصحي داخل المملكة المتحدة سيجري الالتزام به أو سيكون من الممكن فرضه. في الجزء الأكبر، لم تقدم الشرطة على مجرد محاولة إجبار الناس على الالتزام بالقيود الجديدة المفروضة على أعداد المشاركين في تجمعات بأماكن في الهواء المفتوح، ولم تفض سوى التجمعات الضخمة فقط. أما عن فرض إجراءات الحجر على المنازل (حيث من المفترض أن يقضي الناس فترة الحجر الصحي)، فلا سبيل لتحقيق ذلك - إلا إذا كانت الحكومة تنوي محاكاة البحرين، حيث جرى دعم إجراءات الحجر الصحي بأساور إلكترونية وتهديدات بغرامات فادحة والسجن.
أما إجبار الوافدين إلى البلاد على عزل أنفسهم فيبدو منطقياً للغاية خلال الفترات الأولى من ظهور مرض ما، عندما يجعل نقص كل من الوعي العام والاختبارات وتعقب الحركة والمعدات الوقائية من الوافدين إلى البلاد وسيلة محورية لنقل الفيروس. إلا أن الملاحظ أن بريطانيا لم تقدِم على هذا الإجراء في وقت سابق عندما كان بإمكانه خلق اختلاف حقيقي في مواجهة وباء فيروس «كورونا» المستجد. ومن الصعب التعرف على مدى جدوى هذا الإجراء الآن. في الوقت ذاته، فإن معدلات الإصابة أقل داخل غالبية الدول الأخرى حالياً (بينما تبقى الولايات المتحدة الاستثناء الأبرز)؛ ما يوحي بأن التنقل والسياحة داخل المملكة المتحدة تحمل مخاطرة أكبر.
إضافة إلى ذلك، يحمل الأمر تكاليف اقتصادية. في الحقيقة، لا يقف الزائرون الأجانب في هذه الأيام تحديداً على أبواب بريطانيا شغوفين للسماح لهم بالدخول. وبالنظر إلى الصعوبة التي تواجهها البلاد في السيطرة على الوباء، فإن البلاد ليس باستطاعتها تحمل تكاليف إغلاق صناعة محورية لفترة أطول من الضروري.
جدير بالذكر في هذا الصدد، أن المملكة المتحدة تتميز بخامس أكبر سوق سياحية في العالم، تحقق إيرادات تقدر بـ146 مليار جنيه إسترليني (182.5 مليون دولار) سنوياً (6.5 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي) وتوفر فرص عمل لـ3.1 مليون عامل، تبعاً لإحصاءات «تحالف السياحة». ففي أغسطس (آب) 2019 فقط، كانت هناك 4.1 مليون زيارة للمملكة المتحدة من جانب مقيمين بالخارج. وأنفقوا 3.1 مليار جنيه إسترليني. وأنفق زائرو المملكة المتحدة، بما في ذلك المسافرون لأغراض العمل أو الترفيه، قرابة 40 مليار جنيه إسترليني عام 2019.
من ناحية أخرى، من الممكن أن يواجه المواطنون البريطانيون إجراءات انتقامية. وقد استثنت إسبانيا واليونان، وجهتين شهيرتين بين البريطانيين لقضاء العطلات، السياح القادمين من المملكة المتحدة من قائمة الدول التي يمكن للمقيمين بها السفر إليهما بمجرد رفع القيود المفروضة على السفر. كما تسمح فرنسا لمواطني الاتحاد الأوروبي الدخول من دون الخضوع للحجر الصحي، لكنها أعلنت عن فرض حجر صحي لمدة 14 يوماً (طواعية) للقادمين من دول مثل بريطانيا «قررت سلطاتها، دونما تنسيق، فرض حجر صحي مدة 14 يوماً على المسافرين إلى أراضيهم القادمين من دول أوروبية».
ولن يكون من المثير للدهشة أن تتراجع الحكومة، مثلما فعلت من قبل أثناء أزمة «كوفيد - 19». ودعت مجموعة كبيرة من أعضاء البرلمان من أحزاب مختلف، بينهم وزير النقل السابق عن حزب المحافظين كريس غريلينغ، الحكومة لتخفيف الإجراءات الحالية. وجرى حديث حول بناء «جسور جوية» بين المملكة المتحدة ودول منخفضة المخاطرة، وإن كان ليس على الفور.
الواضح أن إعادة فتح صناعة السفر والسياحة يشكل تحدياً، وتزداد صعوبة التحدي عند النظر إلى معدلات السياحة الداخلية المرتفعة للغاية التي ستعايشها بريطانيا هذا الصيف مع تجنب الناس ركوب الطائرات، وفي وقت لا يزال الفيروس واضحاً. ويمكن للحكومة رفع بعض القيود، لكن ربما ليس جميعها إذا ما رغبت في إبقاء معدلات انتقال العدوى منخفضة.
وتبقى إجراءات الحجر الصحي تبعاً لصيغتها الحالية شديدة الاستبداد، وتثير شعوراً بأنها سياسة بريطانية لم تجر دراستها على نحو كامل، ولم يجر توصيل المقصود من ورائها على نحو مناسب - وهذه ليست المرة الأولى التي يظهر فيها هذا الشعور.


- بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة