نقطة الضعف!

نقطة الضعف!

الأربعاء - 11 شوال 1441 هـ - 03 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15163]

يروى في الأساطير الإغريقية أن أحداً تنبأ بأن الطفل «أخيل» سوف يموت في معركة. وللحيلولة دون وقوع ذلك حاولت أمه تغطيسه في نهر «ستيكس» الذي اشتهر بمقدرته على منح «قوة عدم القهر». فشرعت أمه بحمل أخيل من كعب قدمه لتغطسه في هذا النهر فلم يبلغ الماء السحري كعبه. ثم اشتد عود أخيل كرجل قوي في المعارك حتى نجح خصومه ذات يوم في إصابته في كعبه فلقي حتفه. فراحت القصة مثلاً في أدبيات الغرب والشرق حتى يومنا، عند الحديث عن نقاط ضعف الناس. وبالفعل هناك من يحمل نقاط ضعف كثيرة تكون هدفا للخصوم.
وبعض الناس والمؤسسات إذا ما ضربت توجع، والسبب أنها تعرف أين تصوب سهامها. وهو معنى قريب مما تقوله العرب «فلان يعرف من أين تؤكل الكتف». ففي كل شيء هناك منطقة ضعف لدى خصمك قد تحسم النتيجة لصالحك.
والناظر إلى الرياضات القتالية أو الدفاع عن النفس يجد فيها مناطق محددة تضعف الخصم أو تشل حركته كما في الكاراتيه، والجودو، والملاكمة. وكذلك الحال في الجيوش، فهي تخوض المعارك، وهي تعلم يقينا ضعف قوتها الجوية أو البحرية. حتى مدرب كرة القدم المحترف يأخذ في الاعتبار أهمية الاستفادة من نقطة ضعف الفريق الخصم وذلك بتركيز التمريرات جهته في محاولة لاختراق ملعب الخصوم وتحقيق الهدف.
في عالم الجمادات أيضاً هناك نقاط ضعف. فالطائرة التي احترق محركها أو اصطدمت بسرب هائل من الطيور شل حركة محركها واصلت الطيران والهبوط بسلام في مدرج الطائرات. غير أن نقطة ضعف الطائرة تكمن في تعطل كلا المحركين. هنا تحدث الفاجعة. تماماً كما الإنسان يمكنه السير بقدم واحدة، لكن قد تشل حركته عندما يصاب في قدميه.
ولذا تطلق الشرطة في المطاردات البوليسية النار على قدم الهارب للإيقاع به والقدمين لشل حركته. وحتى القوات الخاصة لا تضرب عادة الرأس، لأن فيه هلاك المتظاهرين أو المحتجين فتضرب أجزاء متفرقة من الجسم. والخاطفون حينما يحاولون ابتزاز المخطوف نجدهم يهددونه بعرضه أو أطفالهم.
وفي عالم الإدارة تلعب نقاط الضعف دوراً جوهرياً في حسم الجولة أو التنبيه إلى خطر داهم. فحينما يعرف منافسنا مثلا أن نقطة ضعفنا تتمثل في المورد الوحيد الذي نتعامل معه أو في «سر الصنعة» أو منتج أو خدمة أو هامش الربح البسيط، فإن ذلك قد يصيبنا في مقتل. لأنه سيصبح في مقدور المنافس سحب البساط من تحتنا في أي لحظة.
وكذلك الحال في علاقات الأفراد. فتجد البعض يصر على تولي منصب قيادي قبل أوانه، ثم سرعان ما يخفق لافتقاره لأبجديات قيادة الناس.
وأخطر لحظة في العلاقات بين زملاء العمل حينما يكتشف أحد بأن زملاءه قد آلموه في نقطة ضعفه التي هو أصلاً من باح بها. فمثلاً هناك من يقول على الملأ: إذا فعلت الإدارة كذا أو أرغمتني على فعل كذا، فإنني سأتقدم باستقالتي فوراً! فيجد من يكرهونه في ذلك فرصة سانحة للتخلص منه، أو الوشاية به، بالقيام بالفعل ذاته لاحقاً أو عبر تحالف يجرونه خفية ضده وذلك بالتعاون مع مديرهم.
ولذا كان من الحكمة ألا يبوح الموظف بعيوبه على الملأ، وأن يلتزم المهنية والجد والاجتهاد بصورة دائمة لعله يحمي نفسه من مكائد الكائدين. مشكلة البعض أنه يعتقد بأن بيئة العمل مكان الأصل فيه توليد صداقات، غير أن الواقع هو ميدان تنافس شريف. وهذا ما يدفع البعض إلى وضع مسافة بينه وبين زملائه، خصوصاً حينما يتعلق الأمر بمشكلاته الشخصية أو الحياتية حتى إذا ما قصر لم يجد من يعلق ذلك على شماعة تحدياته الحياتية.
إذا كانت نقاط الضعف يمكن أن تنال من كبريات المؤسسات، فلن يتورع بعض الأفراد في استخدامها عندما يكشرون عن أنيابهم في أول مواجهة حادة مع «صديق الأمس».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة