لعنة الفراعنة وعمران الزمان

لعنة الفراعنة وعمران الزمان

الاثنين - 9 شوال 1441 هـ - 01 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15161]

شغلني في الصبا حديثٌ كانَ يملأ الدنيا عن لعنة الفراعنة تروى حولة قصص أشبه بأفلام الرعب، وكنا نسمع حكايات تحضّنا على عدم الخروج للعب وقت الظهيرة أو في الليل، وكان وقت الظهيرة أخطرَ من الليل حيث الشمس الحارقة التي تجعل من شوارع قريتنا والقرى المحيطة خالية تماماً من البشر، وكنا نسمع أن رجلاً يأتي على ظهر حصان يخطف الأطفال ليذبحهم عند المقابر في وادي الملوك، يذبحهم كقربان معه تفتح بوابة كنوز الفراعنة. وكان لكل كنز «رَصَدْ» أو حارس في هيئة حيوان أو طير، إما ديك وإما قط أسود، وما إلى ذلك ولكل «رَصَدْ» رغبة يعرفها قسيس أو ساحر يقرأ من كتب قديمة ويذبح الطفل فتنفتح البوابة. كان كثير من بعض العمال عندنا يعمل مع البعثات الأجنبية التي تحفر في كل مكان حولنا من دندرة شمالاً حتى وادي الملوك جنوباً. بالطبع كان هناك أناس يموتون، وكان الناس يتحدثون عن لعنة الفراعنة التي تصيبهم، وتصيب كلَّ من يُقلق مراقد القدماء بحثاً عن الذهب والفضة المدفونة معهم، ولم تكن الصورة بعيدة؛ فقد كان في تلك الفترة من يدفن الميت يضع معه أشياءه، خصوصاً مَن توفوا قبل الزواج. فقد كان الميت الشاب يُدفن على هيئة عريس يوم زفافه، يلبس «الألاجا» أو ثياب الحرير أو القصب، وكان يوضع معه في قبره كثيرٌ من نفائسه التي كان يملكها. ويذكر من في جيلي، وهذا أمر ليس ببعيد جداً، فقد وُلدت في عام 1961، أن بعض الناس كانوا ينامون عند قبور موتاهم، حتى يتم بناء ما حولها، ربما لأسبوع أو أكثر، لأن لصوص المقابر كانوا يسرقون ما هو مدفون مع الموتى. فإذا كان الأمر كذلك مع أناس بسطاء، فما الذي يُدفن مع ملوك الفراعنة وأمرائهم؟ المهم في هذا أننا كنا نرى أن بلادنا تقبع على هامش تاريخ غني مليء بالذهب والفضة، وكانت عيون الناس ترقب من اغتنى فجأة فيقال إن فلاناً، وبينما كان يحفر أساسات بيته وجد رقبة تمثال من الذهب الخالص، رقبة إنسان أو حيوان، وباعها واغتنى. كانت تلك القصص كثيرة ومصدراً غنياً لخيالات الغنى والثراء عندنا. ولكن ما علاقة تلك القصص المحلية الصغيرة بالحديث عن العمران وتخطيط المدن وعلاقة ذلك بوعي الناس ورؤيتهم لأنفسهم والعالم من حولهم ورؤيتهم لنظام بلدهم السياسي وعلاقة الحاكم بالمحكوم فيه؟
لم تتضح هذه الصورة بالنسبة لي إلا في رحلتين؛ أولاهما إلى شرق النيل عندما زرت معبد الكرنك أو معابد الكرنك، إذ لم يكن معبداً واحداً بل مجموعة معابد متلاصقة، والأخرى عندما زرت أهرامات الجيزة. ولم تكن الرؤية واضحة حينها بعد ولكنها ترسبت في ذهني واتخذت شكلاً حياً عندما عُدتُ من الولايات المتحدة بعد إنهاء درجة الدكتوراه في العلوم السياسية.
ذهبت إلى الأهرامات مرة أخرى، ومن الفندق الذي كنت أسكن فيه في حي الزمالك استأجرت سيارة أقلّتني إلى الجيزة ومنها إلى الأهرامات، ومرت بي السيارة في شوارع مزدحمة ومتهالكة وبيوت بعضها عمارات عالية وبعضها الآخر مسكون رغم أن أعمال البناء لم تنتهِ فيه بعد. حتى وصلنا إلى منطقة شارع فيصل، وهي منطقة عشوائية قريبة الشبه بمنطقة إمبابة العشوائية إلى الشمال من الفندق الذي كنت أقيم فيه في الزمالك. وأنا في نهاية الطريق وبمجرد ظهور الهرم الأكبر أمامي أدركت معنى لعنة الفراعنة، وطلبت من السائق أن يتوقف عند الخط الوهمي الفاصل بين المدن العشوائية حول الهرم، وبين هذا الصرح الأبدي الذي وقف هناك متحدياً الزمن وعوامل التعرية.
نظرت إلى البؤس إلى شمالي والعظمة إلى جنوبي، رأيت ماضي الافتخار يجاور واقع الاحتقار، وقلت في نفسي هذا هو تعريف اللعنة. فالناس الذين يجاورون هذه الأهرامات وهذه العظمة، لا بد أنهم يحسون باللعنة كل يوم، فكيف انسخط عالمهم من عالم خوفو، إلى عالم كرداسة وعشوائيات الجيزة؟ فتعريف اللعنة بالنسبة لي هو أن تكون جاراً ملاصقاً لأجدادك الفراعنة وآثارهم الخالدة من أهرامات ومعابد، فيذكّرك هذا الشموخ وهذه العظمة والعلو بضآلة حاضرك وانحطاطه، مقارنةً بعالمهم المرموق. في رأيي هذا هو تعريف اللعنة.
عند تخطيط المدن كما رأينا في حالة قاهرة الخديو إسماعيل ترى بوضوح مركزية قصر عابدين ومنطقة التحرير والأوبرا والأزبكية مكانياً تمثل مركز ثقل العاصمة الدنيوي، وكذلك منطقة الحسين والسيدة زينب كمراكز ثقل روحية، ثم يأتي ما حول المراكز من أطراف سكانية وخدمية. هذا إذا نظرنا إلى التخطيط المكاني، أما إذا كان التخطيط على محور الزمان، فلا شك أن أهرامات الجيزة وأبو الهول هي مركز الثقل الزماني، وما حولهما هامشي ينتمي إلى أطراف الزمان. لتكون القاهرة ومعها الجيزة بكل تخطيطها مقارنةً بهضبة الهرم مجرد عشوائيات تاريخية أو أشياء حدثت على هامش التاريخ. نعم القاهرة مدينة عمرها ألف عام ولكن مقارنةً بالأهرامات وما تحويه من أسرار في فنون العمارة والتحنيط تكون مدينة الألف عام مجرد هامش على متن، ولا أستغرب أن جزءاً كبيراً من الإحساس باللعنة هو ذلك القرب الشديد بين ماضي الافتخار وواقع الاحتقار، الافتخار الذي ينتمي إليه الهرم والاحتقار الذي يمثل عالمُنا رمزيتَه الكبرى. هذه المقارنة اليومية المستمرة والمستقرة في اللاوعي هي التي تخلق هذا الجحيم الذي نعيشه، جحيم يصنعه خيال يأخذ أحلامنا يومياً في الصباح إلى قمة الهرم بما أننا الوريث الشرعي لهذا التاريخ لنرى تلك الأحلام قد تدحرجت هزيلة ومنهكة عند السفح في المساء. جحيم اللاوعي هذا وتلك الفجوة بين الهرم ومنطقة فيصل أو أيٍّ من العشوائيات المحيطة وبين الأهرامات التي يأتي الناس لزيارتها من كل فجٍّ في المعمورة هو الذي يجعل المصري الحديث غير قادر على تحديد هويته العمرانية لا في الزمان ولا في المكان.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة