الجائحة تضرب مليارديرات بريطانيا

الجائحة تضرب مليارديرات بريطانيا

الأحد - 1 شوال 1441 هـ - 24 مايو 2020 مـ رقم العدد [15153]

ما لم يكن الفضول زائداً عن الحد، كالذي يعتري القطط، فلا بأس أن يكون مقدار ما لدى المرء منه ما يكفي لإشباع نهمه على نحو معقول، كأن يكون لديه فضول لمتابعة أخبار فئة بعينها من الناس، ومن بعيد، عبر قنوات مشروعة ومتاحة، إما لثرائهم، أو لشهرتهم الفنية أو غيرها. ويبدو أن هذا الفضول هو ما قادني، طيلة سنوات، لمتابعة القائمة الخاصة بأكثر الأفراد والعائلات ثراءً في بريطانيا، التي تصدرها صحيفة «الصنداي تايمز» سنوياً، بين دفتي مجلة، والحرص على تجميعها والاحتفاظ بأعدادها.
في يوم الأحد الماضي، وفي الموعد المقرر، أصدرت الصحيفة قائمتها المنتظرة لعام 2020، المتعلقة بأكثر الأشخاص والعائلات ثراء من المقيمين في المملكة المتحدة. القائمة تقتصر على 1000 من الأسماء لأفراد ولعائلات، يمثلون نسبة 0.001 من عدد السكان.
تاريخياً، بدأت القائمة في الصدور عام 1989. وهي لا تقتصر على مواطنين بريطانيي المولد والنشأة، بل تشمل أسماء لأفراد ولعائلات ولدوا خارج بريطانيا، لكنهم إما يعيشون أو يعملون بها، أو الاثنان معاً. الحسابات المصرفية ليست مشمولة، لتعذر معرفتها قانونياً.
هذا العام حددت الصحيفة قيمة 120 مليون جنيه إسترليني، لتكون الحد الأدنى للثروة التي تضمن لصاحبها حق الانتساب إلى قائمة هذه السنة، والتشرف بالانضمام إلى عضوية نادي المحظوظين. قبل أعوام قليلة مضت، كان الحد الأدنى 100 مليون فقط.
قائمة هذا العام ضمت 147 اسماً لأفراد ولعائلات من المصنّفين تحت خانة أصحاب المليارات، بمجموع ثروات قدرت بقيمة 743 مليار جنيه إسترليني، وبنقص 4 أسماء عن قائمة السنة الماضية. هذا العدد ضمن لبريطانيا الترتيب الثالث عالمياً، بعد أميركا والصين، في عدد أصحاب المليارات. وأكدت القائمة، مجدداً، بقاء لندن على قمة عواصم العالم مقراً مفضلاً لإقامة أكبر عدد من أصحاب المليارات (89 مليارديراً) من جميع أنحاء العالم.
تفشي الوباء الفيروسي، وما استتبعه من حجْر صحي، وإغلاق عام لجميع المرافق الاقتصادية، ترتبت عليه، كما هو متوقع، نتائج سلبية على كثير من الأسماء المشمولة في القائمة.
واستناداً للإحصائيات المنشورة، ومقارنة بقائمة العام الماضي، تقلص حجم الثروة بقيمة 29 مليار جنيه إسترليني. وخسر العشرة الأوائل في القائمة 15 مليار جنيه إسترليني منذ بداية شهر مارس (آذار).
ليس مهماً، على وجه التحديد، من اعتلى المرتبة الأولى هذا العام، أو من تلاه في الترتيب في قائمة العشرة الأوائل؛ لأن الفروق بينهم في الثروات ليست كبيرة. ولذلك، تتغير الأسماء كل عام تقريباً، لكنها تكاد لا تخرج، إلا نادراً، عن دائرة العشرة الأوائل. وعلى سبيل المثال، في أول عدد صدر من المجلة احتلت الملكة إليزابيث الثانية المرتبة الأولى، ثم سرعان ما فقدتها في الأعوام التالية.
ما يهم حقاً هو حقيقة أن الأزمة الوبائية ما زالت في مرحلة أولية نسبياً، ولم تدخل بعد، وفقاً للتقارير الرسمية، مرحلة بداية النهاية. ولهذا، فإن تأثيراتها الاقتصادية السلبية، ككرة ثلج، تزداد حجماً كل يوم. وهذا بدوره يقود إلى التنبؤ بأن قائمة العام المقبل ستشهد انخفاضاً أكبر في قيمة الثروة.
خسارة هؤلاء الأشخاص الأثرياء ستعود بنتائج سلبية على الآلاف من العاملين في مؤسساتهم ومصانعهم وشركاتهم، ما سيؤدي إلى ارتفاع مستوى البطالة. أكثر من 2.5 مليون مواطن تحولوا إلى الضمان الاجتماعي الحكومي منذ بدء الأزمة الوبائية. كما أن 7.5 مليون مواطن آخر تحولوا إلى البرنامج الحكومي الخاص بدفع 80 في المائة من مرتباتهم لمدة 3 أشهر، حتى لا يفقدوا وظائفهم.
كثير من الملاحظات تستحق الإشارة...
أولها أن أخبار الوباء الفيروسي اختطفت من القائمة السنوية بريقها المعتاد، كالذي تمتعت به فيما مضى من السنين. فبدت، هذا العام، مجرد خبر آخر هامشي، لا يستحق تضييع وقت واهتمام.
وثانيها أن الغالبية العظمى من أصحاب المليارات والملايين، الذين احتوتهم القائمة، يعدون من أنصار الليبرالية الجديدة، التي تؤكد حرية السوق، ورفع أيدي الحكومة عن المستثمرين ورجال الأعمال ليتمكنوا من خلق الثروة في المجتمع، وتوفير مواطن العمل، والازدهار الاقتصادي. لكنهم، منذ أن بدأت الأزمة الوبائية، وفرض الإغلاق العام، سارع أغلبهم إلى طلب قروض مساعدة من الحكومة، حتى لا يضطروا إلى إنفاق أموالهم، علماً بأنهم ليسوا من ضمن المسجلين في قوائم دافعي الضرائب البريطانيين، بل رسمياً يعيشون خارج بريطانيا، في بلدان معروفة بانخفاض نسبة ضرائب الدخل بها. ويرفض أغلبهم المساهمة في دعم المجهود الصحي مالياً، أو المساعدة في توفير أجهزة تنفس أو مواد حماية، بحجة أن قرار الحكومة بالإغلاق العام هو من سبّب الأزمة، وأدى إلى تسريع وتيرة الكساد الاقتصادي.
وثالثها أن القائمة السنوية تنبأت بأن سوء الوضع الاقتصادي في بريطانيا، بناء على المعطيات الحالية، سيؤدي إلى ارتفاع الديْن العام من القروض إلى 300 مليار جنيه إسترليني، وأن الحكومة سعياً إلى تغطية العجز المالي ستكون مضطرة إلى تبنّي سياسة ضرائبية جديدة، تهدف إلى رفع النسبة الضريبية على الأثرياء المقيمين في الخارج، لتعويض خسارتها.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة