خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
TT

آفة النسيان

النسيان قرين الإنسان في كل زمان ومكان. ولكنه في عصرنا هذا أصبح ظاهرة شائعة، حتى أنني أتذكر زميلاً لي رأيته قبل عدة سنوات يحك رأسه في ذهول وحيرة عجيبة وفي يده القلم. قلت له: ما لك يا عبد الستار؟ قال: آه! أيوه. عبد الستار، عبد الستار. ووقع على دفتر الشيكات الذي كان بيده. لقد نسي اسمه!
وليس في هذا من جديد، فكُتب الأدب تروي أن معلمنا أبا عثمان الجاحظ قال: نسيت كنيتي ثلاثة أيام حتى أتيت أهلي فقلت: «بم أكنى»؟ فقالوا: «بأبي عثمان!».
إذا كان هذا العالم الكبير قد نسي كنيته، فلم لا ينسى زميلي في الإذاعة البريطانية اسمه كما سجله في البنك؟!
ولكن يظهر أن ضغوط عالمنا المعاصر قد ضاعفت من آفة النسيان حتى أصبح حالة مَرضية تشغل المؤسسات الطبية والأمنية. وأخذت صوراً مرضية مختلفة، فهناك «الديمانشا» وتفرع منها «ألزهايمر»، وهذه علة فظيعة، فلا يعود الإنسان يتذكر من هو وما اسمه وأين بيته. يسبب ذلك كثيراً من المشاكل لأهله وجيرانه ورجال الأمن. يضطر أهله بناء على نصيحة الطبيب أن يضعوه في دار حجْر خاصة لا يُسمح بالخروج منها. وبالنسبة للموسرين يضطرون إلى استخدام معتنٍ Carer يسهر على رعايته، ويذكّره بوجبات طعامه، وتناول أدويته ويصحبه أينما ذهب.
ويظهر أن هؤلاء المصابين بـ«الديمانشا» قد تضاعفوا في عصرنا هذا. دربوا رجال الشرطة على اكتشافهم أينما يجدونهم فيقتادونهم إلى بيوتهم ويسلمونهم لذويهم. فالمعتاد فيهم أن ينسوا عنوانهم وأهلهم. كان أحد جيراني مبتلى بهذه العاهة. وكنت من باب العطف عليه أن أدعوه لتناول طعام أو شراب في بيتي. وقلّما تذكرني أو تذكر زوجتي، أو حتى زوجته. إنها مأساة حية تعيش بيننا.
لا أدري كم عانى منها الأقدمون. فالظاهر أنهم لم يجدوا فيها أي صفة مرضية. نعرف أنهم كثيراً ما وصفوا مثل هؤلاء القوم بأنهم مخرفون. يصفون العلة بالخرف، ويربطونها بكبر السن والشيخوخة. ولا ندري مما وردنا منها أي وصف دقيق عنها وما كانوا يعانون منها.
ذكروا أن القوم سألوا الأديب الكبير الأصمعي بعد أن شاخ وهرم: ما عمرك؟ أجابهم وقال: كنت شاباً مقتبلاً. فتزوجت. فولد لي أولاد وولد لأولادي أولاد، وأنا حي!
لكنه لم يستطع أن يتذكر عمره. واستطاع أن ينشد لهم هذين البيتين من الشعر:

إذا الرجال ولدت أولادها
واضطربت من كبر أعضاؤها
وجعلت أسقامها تعتادها
فهي زروع قد دنا حصادها

لم تمنعه شيخوخته من الاستشهاد بهذا الشعر الحكيم. فيصعب عليّ أن أقول ما إذا كان الأصمعي قد ابتلي بـ«الديمانشا».
أصبحت ظاهرة «الديمانشا» تكلف أهلها وحكوماتها مبالغ طائلة في الحفاظ عليهم أحياء ورعايتهم. ولا يجرؤ أحد أن يأخذ بقول الأصمعي قد دنا لها حصادها.