كي لا تنتهي ليبيا إسكندرونَه المغاربي

كي لا تنتهي ليبيا إسكندرونَه المغاربي

الخميس - 21 شهر رمضان 1441 هـ - 14 مايو 2020 مـ رقم العدد [15143]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق

في زمن الحجْر مع أفراد العائلة بداعي الحذر من لسعة «كورونية» تُلحق الأذى به، أو بمن حوله، من كبار وصغار، يُكثر المرء من تنويع المحطات الفضائية بغرض التسلية والترويح عن النفس، فضلاً عن تناسي التشوق إلى الشراب والطعام، في انتظار أن يؤذّن المؤذِّن لحلول المغرب من اليوم الصوْمي.
وبالنسبة إلى المواطن في دول الجناح المغاربي من الأمة، فإنه كما شقيقه الليبي، الذي يكابد ويلات العبث بأمنه من جانب إقحام تركيا الإردوغانية نفسها في تقرير مصيره، فإنه في لحظة تأمُّل فيما يراه وما يسمعه عما يجري لليبيا، وعلى أرضها، يسأل نفسه: هل كانت حال ليبيا كما الآن لو كُتب «اتحاد المغرب العربي» أن ينتقل من مجرد الحبر على صفحات تحمل تواقيع قادة الدول الخمس (المملكة المغربية، الجزائر، تونس، ليبيا، موريتانيا) إلى التثبيت والتفعيل، حاله من حال «مجلس التعاون الخليجي» كاستنساخ للصيغة، ومن حال «الاتحاد الأوروبي» كون أرض دول الجناح المغاربي، ومنها على سبيل المثال الساحل الليبي، الذي يبعد ثلاثة أرباع الساعة طيران عن ساحل إيطاليا، إحدى نجمات الاتحاد الأوروبي الذي يحافظ على حيويته، في ظل شيخوخته التي تجلت وقد مضت سبعة عقود على تأسيسه. ومَن كان هذا جواره لا بد يتأثر ويقتبس ويأخذ في الاعتبار عوائد الاتحاد بين الدول غير المتجانسة أصلاً، ذلك أن كلاً من دول الاتحاد الأوروبي لها لغتها القومية، ولها أيضاً ديانتها وثقافتها وخصوصيتها، لكن هذا ليس مدعاة تحفُّظ على أن يكون لهذه الدول بيت يجمع شملها، مع احتفاظ كل دولة بخصوصيتها وعَلمها ولغتها وديانتها. وأما العملة الوطنية، فهذه من الطبيعي صهْرها في ا«يورو» عملة موحَّدة لدول الاتحاد، تنسي الفرنسي فرنكه والإيطالي ليره والألماني ماركه... وهكذا لا مجال للتحسس. هنا تصبح بريطانيا حالة استثنائية كونها تمسكت باوندها المتوج، واستمرت على تمسكها هذا إلى أن كان الانسحاب بفعل إرادة أكثرية شعبية وحزبية تجاوزت الخمسين في المائة بقليل. لكن حتى غير الموافقين على الانسحاب متمسكون بعملتهم كما بعلَم مملكتهم.
ما نريد قوله إن دول الجناح المغاربي من الأمة ارتضت مبدأ الاتحاد، إلاّ أن البعض منها كان مسكوناً بمسألة الزعامة، فضلاً عن أن التشكيلة بمجملها كانت لا تشجع على الثبات، حيث هنالك دولة ملكية فيها حكومة خاضعة للمحاسبتيْن: من هرم السلطة الذي هو الملك، ومن البرلمان الذي يتوزع على مقاعده نواب يمثلون أحزاباً. وإلى ذلك، إن تجربة إسناد رئاسة الحكومة إلى من هو في المعارضة كانت خطوة متقدمة على طريق الممارسة الديمقراطية. وفي المقابل هنالك أربع دول محكومة من عسكريين بثياب مدنية. ولكل من هؤلاء الجنرالات رؤية لتسيير أمور الدولة، وهذا ليس كل أوجه التباين، حيث هنالك دولتان نفطيتان هما الجزائر وليبيا يرى زعيم كل منهما أن الذهب الأسود يجعل كفته في ميزان صياغة السياسات هي الراجحة نسبياً، سواء لجهة عاصمة الاتحاد، أو لجهة رسم السياسات.
ومع أن القادة الأربعة ظهروا عند إعلان قيام الاتحاد يوم الجمعة 17 فبراير (شباط) 1989 على العالم العربي بجناحيْه المغاربي والمشارقي، بكامل قيافتهم المدنية، إلى جانب الملك الحسن الثاني ببدلته البيضاء، ممسكاً باليد اليمنى زين العابدين بن علي، جنرال تونس، وباليسرى الشاذلي بن جديد جنرال الجزائر، يليه معاوية ولد سيدي الطايع جنرال موريتانيا، ثم معمَّر القذَّافي جنرال ليبيا، الذي ارتدى الثوب التقليدي الليبي الأبيض، إلاّ أن كلاً منهم كان في داخله عسكرياً، وبامتياز. وهكذا كان الاتحاد منذ اللحظة الأُولى خلطة مدنية - عسكرية، إلى جانب أنها وفق تنوع التسميات كانت: ملكية، جمهورية ديمقراطية شعبية، وجمهورية فقط، وجمهورية إسلامية. وحدها كانت ليبيا «الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى». ومثل هذه التسمية السداسية، في حد ذاتها، تشكل حساسية، وقد لا يتم التعبير عنها إلاّ أنها باقية في النفوس.
عند التأمل في الصورة التذكارية التي التُقطت للقادة الخمسة مبتسمين وفي مضمون إعلان قيام اتحادهم، كان هنالك استبشار مغاربي - مشارقي - إسلامي - دولي بما تم التوصل إليه. اتحاد إقليمي يرتاح لقيامه الاتحاد الأوروبي الذي مضى على فكرة التأسيس سبعة عقود (9 مايو/ أيار 1950)، وعلى بدء انطلاقه ربع قرن (18 أبريل/ نيسان 1965)، ثم اكتمل الانضمام عليه دولة إثر دولة. ولقد صمد هذا الاتحاد، لأن نسبة الحساسيات كانت قليلة جداً، وانحصرت في بريطانيا وفرنسا وألمانيا، حيث كل من الدول الثلاث تملك مواصفات القيادة بين معنوية ومالية وتميز دولي. كما أن قيام اتحاد مغاربي يخفف العبء، وبالذات في تميز السياسات، عن الجامعة العربية. لكن مع كثير الأسف لم يحلِّق هذا الاتحاد، وبقي مثل طائر جميل مكسور الجناح. ودخلت الصراعات والمحاولات الانقلابية والتناقض في اتخاذ المواقف بمنأى عن التشاور تجعل من الصعب اعتماد دورية الانعقاد، وترجمة بعض مضامين إعلان قيام الاتحاد إلى فعْل، ومنها على سبيل المثال لا الحصر «إن ما تتوفر عليه بلدان المغرب العربي من إمكانات بشرية وطبيعية واستراتيجية تؤهلها لمواكبة التطورات المرتَقبة في العقود المقبلة...»، و«إن مغرباً عربياً موحداً يشكل مرحلة أساسية في طريق الوحدة العربية».
الآن وقد ووريت الحساسيات مع القادة الأربعة الذين رحلوا (الملك الحسن الثاني. بن جديد. القذَّافي. بن علي)، وبات الجناح المغاربي في مرمى التدخلات الأجنبية، وبالذات التدخل التركي الإردوغاني، على نحو ما يحدث داخل ليبيا، والتعامل معها بذئبية كونها مثل شاة مستضعفة، بات من مصلحة الجميع، مع تنوع ظروف كل دولة وحاجتها إليه، وضْع إعلان الاتحاد المغاربي برسم إعادة التمعن في مضامينه وتحويلها إلى فعل جاد.
وفي ضوء تلك الاستعادة، ينكفئ الذئب الذي يرى في خلايا إخوانية في دول الجوار الليبي ما يشجعه على مواصلة اعتبار ليبيا أنها اسكندرونَه المغاربي، إذ يكفي الأمة ضياع لواء اسكندرون أحد فلذات كبد الوطن السوري. وعندما يتحول الاتحاد المغاربي من مجرد إعلان إلى تفعيل ما اتفق عليه الأسلاف، ووضْع المضامين موضع التنفيذ، ينكفئ الذئب وتسْلم الشاة التي تاهت عن ربعها...


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة