التكنولوجيا سلاح ذو حدين

التكنولوجيا سلاح ذو حدين

الأحد - 3 شهر رمضان 1441 هـ - 26 أبريل 2020 مـ رقم العدد [15125]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

لأول مرة في تاريخ أم البرلمانات تجرى الجلسات، وأشهرها المساءلة الأسبوعية لرئيس الوزراء، على فضاء الإنترنت عقب العودة من إجازة عيد الفصح. خمسون نائباً فقط من إجمالي 650 في القاعةـ، بينما شارك الباقون بالفيديو على الإنترنت، لإبقاء مسافة مترين بين الأشخاص لتجنب نقل عدوى فيروس كورونا القاتل.
مشاهدة الجلسات في التلفزيون تختلف عن حضورها فعلياً. فارق هائل بين الانطباع في الحالتين. فالمشهد يختلف من المنصات الأربع: منصة الجمهور يفصلها حاجز زجاجي أمني مركب منذ 2004 عندما أصاب محتج قفا رئيس الوزراء وقتها توني بلير بقذيفة مطاطية بصبغة بنفسجية؛ ومنصة تعلو مقاعد الحكومة لضيوف النواب وأسرهم وكبار الزوار المدعوين؛ وثالثة تعلو صفوف المعارضة للنواب السابقين، والمدعوين من مجلس اللوردات (الشيوخ)؛ الرابعة منصة الصحافيين فوق كرسي رئيس الجلسة وطاولة القسم التي يقف أمامها المتحدث. ترى النواب في القاعة يختطفون النظر إلى ردود الفعل في المنصة بعد مداخلاتهم، فتفسير الصحافي لما وراء مداخلات الساسة تجعل الصحافة كالمدعي الذي يضع النائب في قفص الاتهام في محكمة الرأي العام، والمحلفون هم القراء والمشاهدون.
يتزاحم في الجلسات 642 نائباً من الـ650، فسبعة من النواب الجمهوريين لحزب شين فين من آيرلندا الشمالية لا يحضرون لرفضهم أداء القسم البرلماني بالولاء للتاج، وهو شرط دستوري، والثامن الـspeaker الذي يسميه العرب رئيس البرلمان (مدير الجلسات) كأعلى سلطة في البرلمان، والمنصب يعود إلى عام 1258م، وشاغله الحالي، منذ 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019. السير ليندساي هويل الذي يناهز الثالثة والستين، وهو نائب عمالي عن دائرة كورلي في مقاطعة لانكشير منذ 1997.
عدد المقاعد الخضراء 437 وبقية الـ642 واقفون.
في جلسة عام 1943 لإعادة بناء القاعة التي دمرتها قذائف اللوفتوافا الألمانية في 1941 أراد البرلمانيون إعادة تصميمها لتتسع لجلوس الجميع، ورفض رئيس الوزراء الراحل السير ونستون تشرشل (1874 - 1965) مصراً على إعادة بنائها كما كانت عليه، وكسب التصويت. فبجانب المحافظة على التقاليد التي رفض أن تغيرها قوى النازي الغاشمة، طرح الزعيم الأشهر مبرراته، التي تعنينا في هذا المجال، وهي الاستعراض الديمقراطي في جو مسرح ضيق وصياح النواب استحساناً (hear، hear – أي اسمعوا وعوا) أو قفشات تسخر من مداخلات الخصم. التصويت اسمه «القسمة» (division) ويستغرق 12 دقيقة، بقسمة النواب مروراً خارج القاعة في ردهتي «القبول - نعم» أو «الرفض - لا» وعودة العدادين (حاسبي المارين في كل ردهة) بالأرقام في استعراض مسرحي لأقدم الممارسات الديمقراطية والمتفرجين من المنصات الأربع، التي كاد تحديث 1943 يلغيها لولا صمود تشرشل، هم شهود العملية الديمقراطية، وممثلوهم يحاسبون الحكومة المنتخبة؛ فبث الجلسات في الراديو بدأ فقط في 1975، والنقل التلفزيوني في 1989. والأهم وجود ممثلي الرأي العام، في منصة الصحافيين ينقلون لملايين الناخبين أداء ممثليهم.
بجانب وجودها الفعلي فإن المنصة الصحافية Press gallery تعبير مجازي، عن قسم تحت برج بيغ - بن يضم مكاتب مائتي صحافي - وداخله قسم مصغر هو اللوبي وعضويته من الصحافيين المدقق في بحث خلفيتهم الأمنية لأنهم معتمدون في «داوننغ ستريت» ومرافقون لرئيس الوزراء في تنقلاته. اسمه اللوبي لأنهم وحدهم يسمح بمرورهم في اللوبيات (الردهات الداخلية) للاختلاط بالنواب. وتاريخياً هناك ساسة يكرهون الصحافيين ويعترضون على وجودهم أصلاً في البرلمان. ولأكثر من مائتي عام تواجد الصحافيون باسم «الكتبة والطباعون» سراً، وكان حراس البرلمان بالسيوف يطاردونهم ويفتشونهم، بينما يتفنن الكتاب في تهريب النصوص إلى مطابع فليت ستريت. وقعت حادثة أثناء الحروب النابليونية (1803 - 1815) منحتنا كصحافيين، حق الوجود الدستوري الشرعي البرلماني كجزء مكمل للتمثيل الديمقراطي.
في مايو (أيار) 1803 اندفع العموم (الجمهور) بالمئات إلى القاعة لحضور تقديم رئيس الوزراء ويليام بيت الأصغر (1759 - 1806) تقريره عن سير الحرب ضد نابليون، ودفع العامة بالصحافيين خارج مقاعدهم. اشتكى الصحافيون لرئيس البرلمان البارون تشارلز أبوت (1757 - 1829)، وطلبوا تخصيص مقاعد لهم. فتشاور أبوت مع القصر ومجلس اللوردات واستجاب للطلب وصدر التشريع بتخصيص القسم بمكاتب للصحافيين.
من شاهد جلسة الأربعاء الماضي، لمساءلة وزير الدولة الأول (وزير الخارجية دومينيك راب ممثلاً لرئيس الوزراء الذي أبعده المرض) بأسئلة من القاعة وبالفيديو على الإنترنت في شاشات ضخمة في القاعة، يلاحظ اختلاف الجو والأداء عن الجلسات التقليدية.
زعيم المعارضة العمالية السير كيير ستامر، يناهز الـ58 ونائب دائرة كامدن اللندنية منذ 2015، وجه أسئلته الستة بالفيديو وكانت قوية وصعبة لأنه أحرج ممثل الحكومة بكشفه تناقض أرقامها مع الواقع وتأخرها وتراخيها ونقصان استعدادها لمجابهة «كورونا». لكن غياب الجو المسرحي الذي دفع تشرشل للاحتفاظ بالشكل التقليدي للقاعة، قلل من تأثير هجمات زعيم المعارضة. ما يخشاه الديمقراطيون التقليديون اليوم، خاصة الصحافيين، استمرار الاعتماد على الفيديو والإنترنت، ويتحول الاستثناء إلى القاعدة، خاصة إذا استغلت المؤسسة السياسية أزمة وباء «كورونا»، لتتغير تقاليد مئات السنين. وهل ستتغير طريقة التصويت ويصبح إلكترونياً بدلاً من المرور في ردهتي نعم ولا؟
طريقة التصويت الحالية تكشف الفجوة بين موقف النائب ووعوده لناخبي الدائرة، وبين طريقة تصويته العلني بقدميه، حسب المثل الإنجليزي، وهو ما يراقبه الصحافي الذي يلتقي النائب ويفاجئه بالميكروفون أو النوتة والقلم، أو حتى في اللقاء الخاص، لا سيما مع رؤساء اللجان، ومع الوزراء هو من أهم أنواع المحاسبة البرلمانية غير المعلنة، لأنه إنذار غير معلن بمراقبة الصحافي لتقصير الأداء، كما يساعد الصحافيون النواب في صياغة الأسئلة التي سيوجهونها للوزراء لأن الصحافيين مقياس الرأي العام، خاصة رأي ناخبي الدائرة في صحيفتهم المحلية.
للتكنولوجيا مزاياها وإيجابياتها في استمرار العملية الديمقراطية في زمن «كورونا»، لكن لها خطورتها على الديمقراطية. فغياب الصحافيين عن المؤتمر اليومي للحكومة وقِصر المشاركة على الفيديو أتاح فرصة التهرب من الأسئلة الصعبة. وإذا جعلت المؤسسة السياسية التكنولوجيا بديلاً عن إدارة العملية الديمقراطية حسب التقاليد، هو استئصال منصات القاعة، خاصة الصحافية، التي أصر على بقائها تشرشل، الزعيم الذي كان يخوض الحرب وقتها للاحتفاظ بالديمقراطية وإنقاذها من همجية النازية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة