خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
TT

من بلاغات الحروب

كثيراً ما تمخضت الحروب عن أمثال وأشعار وأقوال خُلّدت في ضمائر الشعوب. من ذلك القول: «مثلما فعل نيرون بروما»، في الإشارة إلى الحاكم المستبدّ والمستهتر الذي لا يبالي بشقاء شعبه. ويشير القول إلى إحراق نيرون روما وتَفَرُّجه وضحكه على ذلك المشهد. ومن الرومان أيضاً جاء القول: «جئت، فرأيت، فاستوليت»؛ (فيني - فيدي - فيشي»، وهي كلمات يوليوس قيصر بعد استيلائه على منطقة الراين الخصبة والغنية من ألمانيا. والواقع أن كلمات كثيرة خُلّدت في التراث الغربي والعالمي من هذا الإمبراطور. ومنها القول: «حتى أنت يا بروتس»، وذلك أن أشراف روما تآمروا على قتله بشكل جماعي، وكان آخرهم بروتس؛ الصديق الحميم للقيصر الذي طعنه الطعنة الأخيرة التي قضت عليه، ولكنه قبل أن يسقط ميتاً، التفت إلى صديقه الحميم وقال: «حتى أنت يا بروتس»، فأرسلها مثلاً على خيانة الأصدقاء.
ومن هذه الفصيلة أيضاً جاءنا القول الشائع: «البحر من ورائكم والعدو من أمامكم»، إشارة إلى حالة الانحصار وانعدام الخيار. وهي طبعاً الكلمات التي قالها طارق بن زياد لجيوش المسلمين بعد العبور إلى إسبانيا وقيامه بحرق سفنهم. هناك أيضاً كلمة «وا معتصماه!» المعروفة عند العرب، وهي الكلمة التي استعرناها من تلك المرأة العربية التي استباحها الروم عند استيلائهم على مدينة عمورية فاستغاثت بالخليفة المعتصم: «وا معتصماه!»، فقال لها الضابط الرومي ساخراً: «فلينجدك الخليفة بخيوله الشهباء». سمع المعتصم بالواقعة فجيّش جيشاً كله على الخيول الشهباء وسيّره إلى عمورية وانتقم لتلك المرأة المسلمة. وأين من ذلك صراخ الفلسطينيات كل يوم «وا معتصماه!».
ومن الأقوال الشائعة بيننا: «بعد خراب البصرة». وهو قول يرجع أيضاً إلى عهد العباسيين، ولكن في أيام تدهورهم، كما يدلّ المثل. وتعود حكايته إلى ثورة الزنج الذين جاء بهم العباسيون من أفريقيا لكي يعملوا في زراعة جنوب العراق على نحو ما فعل الإنجليز عندما جاءوا بالسود إلى أميركا لاستعمالهم في زراعة السكر والقطن. ولقوا في كلتا الحالتين أسوأ معاملة حتى نفد صبرهم فتمردوا في العراق بقيادة علي بن محمد؛ المعروف بـ«صاحب الزنج»، واستولوا على البصرة ودمروها. وكان والي البصرة قد بعث إلى الخليفة في بغداد يطلب النجدة، ولكن الخليفة تهاون في الموضوع، وعندما وصل جيشه إلى المنطقة كان الزنج قد دمروا المدينة؛ فقيل إنه وصل «بعد خراب البصرة». وسار ذلك مثلاً من الأمثال.
يشير المثل طبعاً إلى رذيلة التأخر والتباطؤ والتهاون في الأمور. يعبّر الإيطاليون عن ذلك بمثل ظريف يقول: «بين القول والفعل، تُستهلك أزواج كثيرة من الأحذية!». وللكاتب الأميركي إدوارد يونغ قول بليغ من ذلك: «المماطلة حرامي الوقت!». والكلمات العربية تقول: «لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد». ويحذّر الإنجليز من التسويف والتأجيل فيقولون: «(في يوم من الأيام) يعني (ولا يوم من الأيام!)» وهي حكمة سبقهم فيها شكسبير في قوله على لسان هاملت: «(شيئاً فشيئاً) شيء يقال بسهولة».
بيد أن رذيلة التسويف تقابلها رذيلة التسرع. وكان من ذلك النصيحة التي وجّهها الرئيس الأميركي جيفرسون للقائد جورج واشنطن عندما كتب له يقول: «التأخير خير من الخطأ»، وهو ما يردده أهل الأردن عندما يقولون: «كل تأخيرة فيها خيرة».