الفيروس العظيم من وراء سور الصين

الفيروس العظيم من وراء سور الصين

الأحد - 27 رجب 1441 هـ - 22 مارس 2020 مـ رقم العدد [15090]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

دخل العالم فصلاً مرعباً في التاريخ، كأفلام الخيال العلمي عند مواجهة خطر من خارج المجرة، بعد إفلات فيروس «كوفيد - 19» من وراء سور الصين العظيم إلى أوروبا، لتصبح مركز الوباء الكوني، حسب منظمة الصحة العالمية. وكشاشات هوليوود، رأينا السياسات الحكيمة والحمقاء، والأشرار والطيبين، فقراء يضحون بكل ما يمتلكونه من قليل، وطماعون يضيفون إلى كثيرهم على حساب المرضى والمحتاجين. آفي شيفمان تلميذ أميركي في السابعة عشرة صمم موقعاً يتجدد كل دقيقة ليحسب إحصائيات الإصابة بالفيروس في كل بلد، كمصدر لا غنى عنه للمنظمات الصحية.
جيمي - دين هدسون طفل إنجليزي في السابعة يشتري من مصروف جيبه الحاجات الأساسية من المحلات، ويوزعها على كبار السن ومتدهوري الصحة المعزولين في منازلهم لخطورة المرض عليهم. سائقو التاكسي، بلا زبائن، يوصلون الحاجات إلى الممرضات. أطباء إنجليز وممرضات عادوا للخدمة من التقاعد تطوعاً في المستشفيات.
وهناك الأصحاء من الجيل الأصغر سناً ينزلون على محلات السوبرماركت كأسراب الجراد، فيفرغونها من المواد الأساسية، مما يحرم ممرضات يعملن في ورديات 12 ساعة من إعداد وجبة إفطار.
السياسات والآيديولوجيات والثقافة الاجتماعية والنمط الاقتصادي على المستويات القومية والإقليمية والعالمية أدت أدواراً بعضها عزز، وبعضها عقد، التعاون العالمي لمواجهة الخطر.
إجراءات إيجابية، كقرار الملكة إليزابيث الثانية تعليق تقليد تغيير حراس قصر باكنغهام في لندن في الحادية عشرة كل صباح، لأنه مكان لتجمع السياح، كما يسير العسكر مصطفين كتفاً لكتف، والأطباء ينصحون بـ«مسافة اجتماعية» مترين لتجنب نقل العدوى. وسلبيات من حكومات (خاصة الآيديولوجية) لا تنشر الأرقام الحقيقية أو تتساهل في الإجراءات أو تنكر وجود أي مصابين في بلدانهم.
حكومات مسؤولة وضعت الصحة وسلامة الإنسان قبل الاحتفالات والتدريس والصلاة، وأخرى تستخدم الهوس الديني لأغراض سياسية، فتقامر بحياة المواطنين في دور عبادة مزدحمة.
السياسة والاقتصاد، والأهم الثقافة الاجتماعية والسياسية، تؤدي دورها في كتابة الفصل التاريخي، فالسياسات أحياناً عاقلة، وأخرى غير واقعية.
مع غياب مصل واقٍ، أو علاج ثبت نفعه في درء الموت، بسبب تدمير الفيروس لخلايا الرئة، فإن العزل لمنع انتشار العدوى من أهم وسائل المقاومة. وتطبيق وسائل منع العدوى يتفاوت مع الثقافة الاجتماعية للبلاد، وأحياناً اتسم بالواقعية، ومرات بعيداً عن الواقع. بلدان كثيرة أغلقت الحدود، المفتوحة تاريخياً كأميركا وكندا، أو حتى داخل المنظومة السياسية الاقتصادية الواحدة في الاتحاد الأوروبي، كألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا. العولمة تراجعت أمام مصلحة الدولة القومية، مما سيعيد النظر في محادثات اتفاقيات التجارة المعتمدة على حرية تنقل البضائع والأفراد.
معظم الحكومات والمؤسسات وجهت العاملين باستخدام الإنترنت بدل الذهاب للعمل. ماذا بشأن من لا يعملون في وظائف ثابتة؟ كيف يسترزقون وهم لا يتلقون منح الإجازة المرضية التي يحصل عليها العاملون في القطاع العام أو القطاع الخاص الخاضع لقوانين توظيف تجبر صاحب العمل على دفعها؟ سائق التاكسي والبائع المتجول وصاحب المقهى وأمثالهم إذا لم يكن لديهم وسيلة لدفع الفواتير وإطعام الأسرة، فسيخرجون للعمل ناشرين العدوى بالاختلاط.
بلدان غنية بموارد طبيعية وعدد قليل من السكان، كالنرويج والدنمارك، تتحمل خزانتها دفع أجور الجميع. بلدان أخرى تعد حكوماتها بدفع أجور الموظفين والعاملين، تصفق صحافتها وشبكات بثها وتهلل بلا طرح للأسئلة عن مصدر ميزانية تحقيق هذا الوعد، ومن يتحمل نفقاتها، وهل يعني ذلك مزيداً من الضرائب؟ وما وضع غير العاملين في وظائف ثابتة؟
بلدان كإيطاليا وفرنسا وإسبانيا والمجر فرضت حظر التجول، والمخالف يتعرض للغرامة الفورية أو السجن، والجيش يساعد البوليس على حظر التجول، ويقيم الحواجز لمنع المرور. ما وراء إجراءات الحكومات بحظر التجول وإغلاق الحدود كان دراسات منظمة الصحة العالمية للخطط الناجحة في كوريا الجنوبية واليابان وتايوان وسنغافورة والصين، بقطع سلسلة نقل العدوى بإجراء اختبار كشف الفيروس على من يشتبه بإصابتهم بالأعراض، وعزلهم عن الآخرين.
الصينيون أرسلوا للبلدان كلها عبر المنظمة العالمية التركيبة الهندسية للفيروس يوم 11 يناير (كانون الثاني)، والفيروس قدر له أن يخرج من الصين قبل أربعة أشهر. حكومات بدأت الاستعدادات مبكراً، وأخرى تكاسلت، خاصة من تسيطر ذهنية الحرب الباردة والعداء للصين على تفكيرها.
الوضع في بريطانيا تتداخل فيه عوامل مختلفة: ساسة الحكومة يخفون خطأهم بعدم الاستعداد، بينما اعترفت إدارة الرئيس دونالد ترمب، في المؤتمر الصحافي في البيت الأبيض يوم الأربعاء، بالتأخر في الاستعدادات، وبدأت في طلب مزيد من معدات اختبار الفيروس.
حكومة لندن كانت تعرف مسبقاً بنقص المعدات ومعامل الاختبار في مستشفيات الصحة العامة، فلم تكن مستعدة لمواجهة التحدي، وبدلاً من الاعتراف بالتقصير، خرجت بنظريات لتبرير التقاعس عن إجراء اختبار الفيروس بنظرية غريبة تسمى «المناعة الجماعية المكتسبة» أو مناعة القطيع؛ أي أن إصابة عدد كبير من السكان سيزيد المناعة.
وزير الصحة ينتظر وصول معدات اختبار جديد لم يجرب بعد لقياس الأجسام المضادة التي يفرزها جهاز المناعة لمن أصابه المرض، بدلاً من اختبار الفيروس نفسه. النظرية مبنية على تقديرات إحصائية، وليس على حقائق في معامل الاختبار، فلا يوجد أي قياس لقدرة جهاز المناعة الإنساني على تطوير دفاعاته ضد الفيروس الجديد، كما يعرض أربعة ملايين من كبار السن والمعانين من مشكلات صحية لأخطار مهلكة، وأيضاً استحالة التحكم في معدل الانتشار الذي قد يفاجئ المستشفيات بأعداد كبيرة من المرضى لا تكفي الإمكانيات لعلاجهم. كثير من البريطانيين لم يتبعوا النصيحة بالعزلة، والثقافة السياسة للمجتمع ترفض حظر التجول، والاستعانة بالجيش فقط لتخفيف العمل عن البوليس، كحراسة المنشآت، وعن العاملين في قطاع الصحة، كصيانة المستشفيات أو نقل المعدات وخزانات الأكسجين، لأن المجتمع لا يقبل رؤية الجيش يمنع المرور في الشوارع، ولهذا تجنبت الحكومة أوامر حظر التجول.
فقط الإلحاح على الناس، والتوسل لتفهمهم أسباب العزلة في البيوت. كاتب السطور من كبار السن، خاض معركة 16 شهراً مع السرطان، لذا أقيم في العزلة وقاية من فيروس بدأ يغير ملامح العالم المألوف لدينا. تذكرت وباءي الكوليرا والتيفود، عقب الحرب العالمية الثانية، وكان البنسلين لا يزال اختراعاً جديداً، وإصرار أمي على غسل الخضراوات وأي شيء يشترى من السوق بمطهر برمنجنات البوتاسيوم، وغلي اللبن، حتى المبستر منه في زجاجات؛ عادة استمرت معها طوال حياتها.
الأسبوع الماضي، قدر الأطباء أن العزلة التي بدأتها ثلاثة أسابيع قبل أسبوعين ستستمر 12 شهراً.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة