الرسالة في محاولة اغتيال حمدوك

الرسالة في محاولة اغتيال حمدوك

الخميس - 18 رجب 1441 هـ - 12 مارس 2020 مـ رقم العدد [15080]

محاولة اغتيال رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك تدق ناقوس الخطر، وتحمل رسالة للحكومة ولغالبية الشعب من أنصار الثورة. الأوضاع لم تعد تحتمل التباطؤ والتأجيل في اتخاذ القرارات الحاسمة، سواء المتعلقة بالوضع الأمني، أو الاقتصادي، أو بمحاكمة رموز النظام السابق، وملاحقة كتائبه المسلحة. فكل تأجيل يزيد في تعقيد الأمور، ونشر الإحباط، وتشجيع خصوم النظام على التمادي في مخططاتهم لتقويض الحكم الانتقالي.
المرامي من محاولة الاغتيال واضحة وضوح الشمس، وهي إحداث فوضى وانهيار في البلد، لإعادة الأمور إلى مربع يستفيد منه الذين يريدون وأد الثورة، ويعملون لذلك منذ انطلاقتها، وما زالوا يحاولون. النظام الساقط لم يكن مجموعة أشخاص ما إن تغلق عليهم في سجن كوبر ينتهي الأمر؛ بل كان منظومة متكاملة بمالها المنهوب من الدولة، وبسلاحها، وبفكرها الذي قد لا نتفق معه؛ لكننا لا نستطيع أن ننكر وجوده وحركيته وقدراته في التخطيط والعمل السري. أضف إلى ذلك المنتفعين الذين ارتبطت مصالحهم وثرواتهم وفسادهم بالنظام السابق، ويريدون عودته. فالثورة أطاحت رأس النظام ورموزه؛ لكنها لم تسقط النظام كله، وقد بات ملحاً الآن استكمال هذا العمل.
حاولت أن أنأى عن المشاركة في التكهنات والتحليلات حول الجهة الفاعلة حتى تظهر نتائج التحقيقات؛ لكن الحملة الواسعة والمنسقة التي قام بها أنصار النظام الساقط مباشرة بعد الجريمة الإرهابية، ليلقوا بالمسؤولية على أطراف خارجية أولاً، ثم بترويج بيان ساذج مليء بالأخطاء باسم تنظيم مجهول يتبنى العملية، وأخيراً بمحاولة الترويج لمزاعم مضحكة بأن الحكومة ذاتها وراء العملية لأن حمدوك فقد شعبيته، ولأن وزارته فشلت في حل المشكلات المتراكمة، هذه الحملة جعلتني أميل إلى الرأي القائل بأن فلول ذلك النظام هم المسؤولون عن الجريمة.
هناك من يرى أن محاولة الاغتيال كانت مجرد رسالة للتخويف، ولم تهدف لتصفية رئيس الوزراء؛ لأن الجهات المنفذة لو كانت تريد ذلك لما عجزت عنه. السؤال هو: تخويف من؟ حمدوك أم الشعب؟ في الحالتين لا أحسب أن ذلك سيتحقق؛ بل العكس هو الأقرب إلى الصحة، إذ إن المحاولة ربما زادت الرجل تصميماً على إكمال مهمته، مثلما أنها زادت الالتفاف حوله، ورفعت من وتيرة المطالبات بملاحقة فلول النظام السابق.
وبغض النظر عما إذا كانت المحاولة جادة لكنها فشلت، أو أنها كانت فقط للتخويف، فإن هدفها الواضح إثارة الفوضى، والمستفيدون هم فلول النظام السابق الذين يريدون إعادة إنتاجه بوجوه جديدة، وكذلك أي جهات تفكر في تهيئة الأمور لانقلاب عسكري مستقبلاً. وأهل الاختصاص يقولون: إذا أردت أن تعرف الجاني فابحث عن الدوافع والمستفيد. أما لماذا استُهدف حمدوك وليس غيره من قادة الحكم الانتقالي؟ فلأنه رمز للثورة ووجهها المدني، وعليه إجماع في الداخل من كل أنصار الثورة تقريباً، ولديه احترام في الخارج، وقد يصعب إيجاد بديل بهذه المواصفات في الظروف الراهنة المعقدة؛ لا سيما بعد عودة المماحكات والمناورات بقوة إلى الساحة.
واختياره هدفاً يعود أيضاً إلى أنه يمثل الوجه السلمي للثورة، وهو ما يزعج خصومها الذين يريدون جرها إلى دائرة العنف والمواجهات التي يتمتع فيها هؤلاء بالغلبة وبالخبرة الإجرامية، مثلما يشهد سجلهم خلال الثلاثين عاماً الماضية، انتهاء بجرائم فض الاعتصام. حمدوك أيضاً هدف سهل لا يتحرك بحماية رتل من السيارات العسكرية المدججة بالسلاح، وليست لديه قوة عسكرية تحت إمرته مباشرة. فالذين فكروا في عملية الاغتيال كانوا يعرفون أنهم لو استهدفوا البرهان أو حميدتي مثلاً فإنهم سيواجهون قوة عسكرية كبيرة، قادرة على ملاحقتهم وتصفيتهم؛ بل وتملك معلومات عن هياكلهم وعناصرهم وكتائبهم، بحكم وجودها في النظام السابق.
كيف وصلنا إلى هنا؟
كثيرون يلقون باللوم على الحكومة، باعتبار أنها لم تستخدم الحسم الثوري في تفكيك دولة التمكين، ومحاكمة رموز النظام الساقط والمفسدين، وفي معالجة الخلل الإعلامي، وسيطرة واجهات النظام القديم على عديد من وسائل الإعلام، وفي معالجة الضائقة المعيشية، وفي التباطؤ بشكل عام في معالجة الأمور. قد يكون كل ذلك صحيحاً؛ لكنه لا يعفي الناس، والمقصود بذلك أنصار الثورة، من تحمل قسطهم في المسؤولية.
كثيرون انشغلوا بالتحليلات التي لا تنقطع، والشكوى من تردي الأوضاع، حتى أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مصدراً للمشاكسات وتداول كثير من الشائعات والأخبار المفبركة، من دون التروي للتأكد منها. وهكذا تنتشر أجواء الإحباط التي لا تخدم في النهاية إلا المتربصين بالثورة، الساعين لتقويض الحكم الانتقالي.
الناس يحتاجون للخروج من دائرة السلبية إلى العمل الإيجابي. مواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن تتحول إلى غرف للتداول في المقترحات العملية لمساعدة الحكومة. وهناك أشياء أخرى بسيطة؛ لكنها ذات مردود عالٍ في خلق أجواء إيجابية. خذ على سبيل المثال تجربة رواندا التي خصصت يوماً في الشهر (السبت الأخير من كل شهر) يخرج فيه كل الناس، بمن فيهم المسؤولون والموظفون، للمشاركة في حملات النظافة العامة، حتى باتت عاصمتهم واحدة من أنظف المدن في العالم.
«تجمع المهنيين» الذي غاب وانخرط في العمل السياسي ضمن «قوى الحرية والتغيير»، يمكن أن يعود إلى الواجهة لقيادة العمل الشعبي، ليس بالدعوة إلى المواكب في كل صغيرة وكبيرة حتى كاد الناس ينفرون منها؛ بل بتنظيم لجان المقاومة في الأحياء للمشاركة في الرقابة التموينية، وتنظيم الأعمال الطوعية في المجالات المختلفة على سبيل المثال، وبذلك تبقى جذوة الثورة حية، والناس في استنفار مستمر.
أما بالنسبة للحكومة، فإن الناس يتوقعون منها بعد محاولة الاغتيال الفاشلة، أن تعجل بمحاكمة رموز النظام السابق، والمتهمين بالفساد وبالاشتراك في جرائم القتل والتعذيب، وباتخاذ إجراءات لتفكيك كتائب الظل، وكل الأذرع العسكرية التابعة للحركة الإخوانية. هناك حاجة ملحة أيضاً لضبط الساحة الإعلامية، والتقصي في تمويل أجهزة الإعلام التي كان عدد منها يمول من قبل جهاز أمن النظام الساقط، أو من رئاسة الجمهورية، أو من حزب «المؤتمر الوطني» أو واجهات أخرى للنظام والحركة الإسلاموية.
المرحلة المقبلة تحتاج أيضاً إلى إصدار التشريعات اللازمة لمواجهة الإرهاب والتحريض على العنف والكراهية، فالثورة مستهدفة، والسودان ذاته مستهدف في وقت ينشط فيه الإرهاب في كثير من دول المنطقة.
أما الأوضاع الاقتصادية الضاغطة بشدة على الناس، فهي تحتاج إلى معالجات خلاقة في تطوير الموارد الذاتية، وهي كثيرة، بدلاً من وضع كل الآمال على الدعم الخارجي ومؤتمرات المانحين، وهذا موضوع يطول الحديث فيه ويحتاج عودة أخرى.
السودانيون يحتاجون للتعلم من دروس وأخطاء ثورتي أكتوبر (تشرين الأول) 1964 وأبريل (نيسان) 1985. فالثورات لا تنتهي بإسقاط النظام؛ بل ربما تكون تلك بداية المشوار الصعب للإصلاح والبناء، وصولاً إلى غاياتها وأهدافها في الاستقرار والسلام والتنمية والعدالة، والتداول السلمي الديمقراطي على الحكم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة