صلاح دياب
- كاتب مصري
TT

حلم ليلة شتاء

أستعير هذا العنوان بتصرف من المسرحية الشعرية الشهيرة «حلم ليلة صيف»، التي كتبها شكسبير عام 1595، محاولاً أن يستعرض حياة الإنسان، ويشرح همومه وأحلامه. في تلك المسرحية، ذات الحس الكوميدي، والمقاربة الخيالية، التي حظيت باهتمام وشغف كبيرين، ونُشرت بلغات عدة، أطلق شكسبير لخياله العنان، متخلياً عن طابعه التراجيدي، لتجد الملائكة والأقزام، والجن، والرجل برأس حمار ضمن أبطال العمل. يستعرض شكسبير في تلك المسرحية هذه الأنماط الغريبة، ومعها أنماط مختلفة من الناس... المحب والحالم... الملكة بنزواتها... شخص آخر باسم «بوتوم» Bottom يتمتع بالثقة بالنفس، وفي الوقت ذاته يغرق في عشق ذاته والافتتان بها.
لكن ما الذي يربط بين مسرحية «حلم ليلة صيف» التي أبدعها شكسبير، وبين «حلم ليلة شتاء» يريد بعضنا أن يحظى به، وأن يحوله ربما إلى حقيقة؟
هل مر على العرب في العصر الحديث شتاء فيه كل هذه القسوة؟ لننظر حولنا: ليبيا، العراق، سوريا، السودان، لبنان، اليمن، فلسطين، أو ما بقي منها. ننظر لمصر وحولها كل هذه التحديات، بينما لم تفرغ بعد من مواجهة ما أحاق بها من مخاطر عارمة.
ليس هذا فقط، لكن جاءتنا أيضاً، بموازاة كل هذه القسوة، «صفقة القرن»، أو «وعد بلفور الثاني»، أليست هذه قسوة مفرطة؟ أليس هواناً ما بعده هوان؟ هل عجزت أمة قادرة أو طامحة عن اللعب في ساحاتنا، والتلاعب بسيادتنا، واقتناص المغانم من مواردنا؟
أصبحت الإهانة واضحة. الصمت عنها لا يخفيها. عند المصاب يكون العزاء. الكل مصاب والعزاء واجب. فلنتبادل التعازي.
لم يتوقف الأمر على هذا، لننظر إلى ما يشهده العرب اليوم، إذ يتم استهداف كل دولة عربية على حدة، وتُستخدم كل أنواع الألاعيب لتدمير المنطقة. ما كدنا نفرغ من الاستعمار المباشر، حتى تمت زراعة دولة إسرائيل وسطنا، لتصبح حقيقة وأمراً واقعاً، لا يفيد إنكاره أو تجاهله... فلنتوقف عن الأوهام.
هل بقي كثيرون قادرين على التشكيك في شجاعة الرئيس السادات، حين بادر بمعاهدة السلام؟ وهل بات واضحاً إلى أي حد كانت مبادرة الملك عبد الله بمشروع عربي للمصالحة في 2002، عملاً شجاعاً ومسؤولاً؟
تجمد المشروع إلى أن تجاوزه الاهتمام، كما تجاوز الاهتمام معاهدة السلام. مشروعات أخرى من هذا النوع لن تجدي، مطلوب شيء جديد يغير الواقع الذي نعيش فيه. نعيش واقعاً مليئاً بالقواعد العسكرية والتدخلات الأجنبية، ومعاقاً بالنزاعات الطائفية والارتدادات الحضارية، ومستلباً للميليشيات والجماعات الإرهابية، فضلاً عن تداعيات الفقر وسوء استخدام الموارد وسياسات الخنق والحصار الاقتصادي.
الجارات الإقليميات الكبيرات لا يتوقفن عن التحرش بأمننا ومواردنا، وتصدير الأزمات و«الثورات» لنا، ثم يأتي ضم الجولان، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس، واستعلاء ترمب، وتراجع قدرتنا على صد التدخلات أو التفاوض لتحسين شروطها.
لم تعد المسألة قضية رومانسية، تتحدث عن «أمة واحدة ذات رسالة خالدة»، لكنها باتت قضية شديدة الواقعية، حتى لو بدأت كـ«حلم ليلة شتاء»... أصبحت اليوم قضية بقاء.
في صفقة القرن أعطوا الفلسطينيين 4 سنوات ليستقروا على رأي.
هنا تظهر حاجتنا الماسة إلى حلم... «حلم ليلة شتاء»، فهل تكفي السنوات الأربع لإصلاح حال العرب جميعاً، بما يمكنهم من صنع صفقتهم... «صفقة القرن العربية»؟
هل يمكن أن يتقدم بلد عربي يمتلك المكانة والشجاعة اللازمة بمشروع لتعديل ميثاق جامعة الدول العربية، بما يجعل قواعد النظام الداخلي لها قريبة الشبه من نظيرتها التي قام عليها الاتحاد الأوروبي؟ تجتمع تحت مظلة الاتحاد الأوروبي دول ملكية وجمهورية، تتحدث بلغات مختلفة، وتمتلك ثقافات وتقاليد شديدة التباين، لكن الاتحاد يحافظ على خصوصية الحكم في كل دولة، ويصون سيادتها، ولا يتدخل في شؤونها الداخلية، بينما تكمن الجائزة الكبرى في صيانة الأمن، وترقية الاقتصاد، وتعزيز السياسة الخارجية.
لدينا في العالم العربي قدرات تسليح ضخمة، ويمكن من خلال إنشاء قوة عسكرية عربية متحدة أن يكون لدينا جيش مهيب وقادر على الردع، جيش يحمي الدول العربية من المخاطر الخارجية وعبث الميليشيات وجماعات الإرهاب.
من الممكن أن نختار من بين العرب شخصاً عاقلاً مؤتمناً ومقبولاً لدى الجميع، وليس لديه حساسيات مع أي دولة، ونفوضه ليدير حواراً عقلانياً جاداً بين الدول العربية جميعها، في محاولة لتجسيد هذا الحلم في سياسات قابلة للتنفيذ، بعدما فرضت الضرورات نقله من خانة الخيال إلى ساحة الواقع. لا يختص هذا الحديث بما سبق أن عهدناه من مشروعات الوحدة التي لم تكتمل. كانت تلك المشروعات مؤسسة على قواعد رومانسية، ومرتهنة لأحلام توسعية وأمجاد شعبوية، لم تكن قائمة على سياسات مدروسة. ما نبتغيه الآن يكمن في محاولتنا التجاوب مع التحدي التاريخي الذي يواجهنا، وهو أمر يستلزم التفكير في بناء سياسات اتحادية واقعية، تشمل تنظيم الانتقال، وتسهيل المبادلات التجارية، وتعزيز السياحة، وتدفق الاستثمارات.
يجب أن يبدأ هذا مدروساً وأن يتقدم تدريجياً، ليأخذنا إلى التطور المبتغى؛ عبر توحيد العملة، وبناء القوة العسكرية المشتركة، وتنسيق السياسات الخارجية.
ألا تستحق تجربة الاتحاد الأوروبي دراسة وافية من جانبنا، ألا يمكن البناء عليها وتطويرها، ألا تكفي أربع سنوات لتحقيق هذا الهدف، واتخاذ الخطوة الأولى نحو الوحدة الحقيقية التي لم نقترب منها أبداً، رغم أن جامعة الدول العربية نشأت منتصف الأربعينات الفائتة.
إذا جاء هذا الاقتراح صادماً فعذرنا أنه مجرد حلم... «حلم ليلة شتاء».