جميل مطر
كاتب ومفكر مصري مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي.
TT

عجز متوقع في القوة الرخوة الأميركية

تابعت مداولات محاكمة الرئيس دونالد ترمب في مجلس الشيوخ، في قضية العزل التي رفعها ضده مجلس النواب. كانت مملة لكل من توقع الإثارة، ولكل من لا يعرف بالتعمق المناسب والممكن حقائق عن دواليب العمل في الإدارة الحكومية والحزبية الأميركية. كانت صادمة لكل من راهن على أن العوائق أمام نهضة أميركية جديدة ليست بالشدة أو الكثرة لتمنعها. خرج المراهنون مقتنعين بأن الطريق بالفعل طويلة والتضحيات كثيرة.
رحت بعده - أي بعد انتهاء العرض التلفزيوني - أبحث في الآراء والتعليقات المتباينة المصادر. تلقفت بعضها، واحتفظت بها لحاجة مؤكدة إليها في يوم قريب. وعرضت بعضاً آخر على زملاء متخصصين، كل في فرعه. سألتهم قرب نهاية مهمتهم إن كانوا قد تحسسوا تغيراً قادماً في رؤية الأميركيين لأنفسهم، وفي رؤيتهم للعالم.
***
رأينا الكذب خفاقاً منتصراً ومحتفلاً بنصره داخل بعض أعتى بيوت الديمقراطية في العالم. رأينا تصرفات لا تليق بالمكان أو المكانة. عرفنا وتأكدنا من مراقبة سلوك السياسيين - أغلبهم طبعاً - أن سمعة الطبقة السياسية في كثير من الدول كادت تصل إلى الحضيض.
كانت أميركا - بسبب هيمنة المال على العقول بأكثر مما تسمح الحكمة والرشد - نموذجاً لقضايا فساد فردية وجماعية، سرعان ما تنفضح. كثيراً ما رأينا كيف بعد كل فضيحة تتدخل المؤسسات والقوانين لاسترداد حق الدولة والمجتمع والحد من تكرارها. صورة وردية بمجتمع يعرف كيف يحمي دستوره وقوانينه ليحتمي بها إن احتاج الأمر. تغير الأمر. مطلوب الآن السكوت عن تدخل الرئيس لحماية الفاسدين من عدالة القانون. نرى ما هو أغرب.
المصيبة كبيرة. لقد قرر الشيوخ والنواب الأميركيون الأعضاء في الحزب الجمهوري حماية رئيسهم، خوفاً على فرصهم القادمة للعودة إلى مناصبهم وامتيازاتهم. لا نعرف أي نسبة من هؤلاء السياسيين تحرك ضميرهم - ولو قليلاً - ليعلنوا أن استمرار الرئيس ترمب وهو يمارس الحكم بطريقته هذه سوف يهدد التوازن الدستوري المعد عبر عشرات السنين بكل دقة. مثلاً: الرئيس لم يسمح لمستشاره السابق في البيت الأبيض جون بولتون بالمثول أمام الكونغرس المنعقد بكامل أعضائه، ليقدم شهادته في جوهر القضية المطروحة. استغربت مجموعتنا المكلفة بالبحث في فرص ظهور رؤية أميركية مختلفة للعالم وبخاصة للشرق الأوسط، استغربت أولاً أن يكون بولتون مستمراً في تحشيد القوميين المتطرفين في أوروبا ضد المؤسسات الديمقراطية في بلادهم، وفي الوقت نفسه يتمرد على رئيسه. أنا هنا لا أدافع عن بولتون، فقد فعل الكثير جداً والخطير ليحرق العراق ويدمره تدميراً. فعل ذلك وإنه يحمل رسالة دينية تهدد العرب والعراقيين خاصة بالفناء. كذبوا هم والرئيس بوش. مثل هذا الكذب وغيره وضع الأساس لبدء انفراط الحلف الغربي، وبالمفارقة هو أيضاً أساس بدء انفراط «الجماعة العربية». بُنيت النصيحة الأميركية على كذبة صدقناها. أصر الأميركيون على أنهم لم يكذبوا. الآن يعترفون بأنهم كذبوا.
وفي ميونيخ، ينعقد اليوم مؤتمر الأمن والدفاع، وفي صدارة المتحدثين وزير خارجية أميركا يدافع عن سياسة خارجية تمارسها وزارته ليست مسؤولة «عما آل إليه الغرب من ضعف». يدافع عن أميركا في وجه اتهام صريح شنه رئيسان: رئيس فرنسا ورئيس ألمانيا. المثير للضيق والألم معاً أن دولاً عربية لم يعبر وزير منها عن عتاب لأميركا على ما تسبب فيه تخبط سياستها الخارجية في أوروبا، وفي كل الشرق الأوسط من فوضى، رغم أننا باعتراف خرائط التوتر العالمية لا نزال في الصدارة، رغم أننا جميعاً ومن دون استثناء، حلفاء وأحباء وزبائن سلاح.
***
ليست المرة الأولى التي أعبر فيها عن عدم ثقتي الكاملة في أن يصاب البناء الدستوري للحكم في الولايات المتحدة بضرر كبير، نتيجة الاستراتيجية التي يتبعها الرئيس دونالد ترمب في ممارسة الحكم. الرجل لم ينكر كرهه للمؤسسات، دولية كانت أم وطنية. وبالفعل كنا شهوداً على عمليات متلاحقة لهز القناعة العالمية بالمؤسسات القائمة منذ نهاية الحرب وبعدها. كنت أظن أن ترمب جاء وفي نيته تغيير الوطن والعالم - إن أمكن - ليصبحا على هيئته ومزاجه. وظننت أيضاً أنه ربما أتى بخبراء وعلماء علاقات دولية من وزن كيسنجر وبريجنسكي. فوجئنا بأنه اكتفى بأسلوب التغريد وسيلة اتصال، متجاوزاً به كل أمل في تغيير محكم ومتوازن. فوجئنا أيضاً باصطحابه جون بولتون، أحد أشهر المخربين. اليوم وبعد أكثر من ثلاث سنوات له في حكم البلاد، يظهرون على التلفزيون متعاقبين في يوم واحد: المستر «بار» الرجل الذي أنقذه من تقرير مولر، ورجال ونساء قرر فصلهم لأنهم وقفوا مع القانون وواجباته الدستورية. خانوا الولاء لشخص الرئيس فحق عليهم الفصل والتشريد.
***
لست مواطناً أميركياً، ولن أصوّت في الانتخابات القادمة. إلا أنه يحق لي - بحكم ما أعرف وما أقتنع به - أن أقر أن في الولايات المتحدة الآن انقسامات غير بسيطة على أسس التفاوت في الدخول. حقيقة لا أتنبأ بأزمات عنيفة يتوقع نشوبها بعض الأصدقاء الغربيين، ولكني غير مطمئن على الإطلاق لعواقب بعض أجزاء في الموازنة الجديدة للعامين القادمين للدولة الأميركية. الرئيس ترمب يدعو الشعب في هذه الميزانية إلى صرف النظر عن برامج اجتماعية تعوَّد على الاستفادة منها، مثل المنح والمعونات الأكاديمية والرعاية الصحية المناسبة، يدعوه أيضاً إلى التوقف عن تجديد الأمل والمطالب الخاصة بمزايا صارت تتمتع بها شعوب كثيرة تحت أنظمة حكم ليست شيوعية. أضف إلى هذه القطاعات المهمة في المجتمع الأميركي دولاً بأكملها سوف تُحرم من معونات عسكرية واقتصادية، بعض هذه المعونات صار معلماً أساسياً في اقتصادات هذه الدول.
***
كانت أميركا بشكل أو بآخر حلماً لكثيرين. كانت قوتها الصلبة مثار إعجاب وانبهار. كذلك كان انفتاحها وتقدمها العلمي وصدارتها في مجالات الفنون والآداب، ومستوى معيشة الأغلبية العظمى من سكانها، وتمتعهم الموثوق به بحماية القوانين والمؤسسات الدستورية، سبباً في أن احتلت هذه الإنجازات مساحة الأحلام في عقول ملايين الشباب في العالم. هكذا تكونت صورة أميركا في الخارج، وبقيت زاهية حتى سنوات قريبة. اختلف الأمر، فالقوة الصلبة انتشرت شرقاً وغرباً، ولم يعد لأميركا في سباقاتها سوى التفوق النسبي المحدود، ويتكفل بإثباته في كل مناسبة قادة دول الغرب. أما القوة الرخوة فأميركا تعاني الآن من عجز في أغلب مكوناتها، وهو ما يتكفل بإثباته يومياً الرئيس ترمب، بممارساته الشخصية وتدخلاته، وتجاهله جميع مصادر القوة الرخوة التي جعلت أميركا حلماً لكثيرين.