تركيا إردوغان وسياسة التصادم مع المحيط العربي

تركيا إردوغان وسياسة التصادم مع المحيط العربي

الخميس - 7 جمادى الأولى 1441 هـ - 02 يناير 2020 مـ رقم العدد [15010]
حنا صالح
كاتب لبناني

يطل العام الجديد والتحدي التركي للبلدان العربية بلغ مرحلة متقدمة جداً، وهو بدأ يتبلور من لحظة سقوط بغداد العام 2003، وقرار بريمر حاكم العراق حينها حل الجيش العراقي. تباعاً برزت التحديات الإمبراطورية وانكشفت طموحات دول معادية، مثل إيران وإسرائيل وتركيا في الهيمنة على المنطقة العربية، ومعروف جيداً أن هذه البلدان لم تتوقف يوماً عن محاولات مدِّ نفوذها خارج حدودها.
يدخل العام الجديد وقد تقدم النفوذ الصهيوني خطوات خطيرة بدعم من الإدارة الأميركية لتكريس تهويد الجولان والقدس وتقطيع الضفة الغربية ومد النفوذ الصهيوني باتجاه الجنوب السوري، وتوجه تل أبيب الضربات ضد التمركز الإيراني في سوريا والعراق بعدما حازت تغطية أميركية - روسية مشتركة. ومنذ سنوات تفاخر طهران بسيطرة نظام الملالي على أربع عواصم عربية، بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، مباشرة أو عبر ميليشيات «الحوثيين» في اليمن و«الحشد الشعبي» في العراق و«حزب الله» في لبنان، وتعلن أن هلال السيطرة الفارسية قاب قوسين أو أدنى ليصبح بدراً (...) ولئن كان التقدم الصهيوني يتم عبر الاحتلال المباشر وتكثيف الاستيطان في الضفة وتتخذ مقاومته أشكالاً مختلفة على أرض الواقع ومن خلال الشرعية الدولية، فها هي طهران تواجه ثورة عميقة في العراق وفي لبنان، ويهتز نفوذها في سوريا بعد انكشاف صراع الهيمنة على الموارد خصوصاً مع الروس، وتحقق قوى الشرعية اليمنية بدعمٍ من التحالف العربي تقدماً كبيراً على طريق اقتلاع سيطرة الانقلابيين الحوثيين.
أما تركيا إردوغان التي بدّلت الولاءات بين الأميركيين والروس، تبعاً لما ترى أنه يخدم أطماعها، فهي في اللحظة الراهنة، تتدخل عسكرياً بشكل مباشر، ومع واجهة من مرتزقة التنظيمات الإسلامية السورية، خصوصاً في شمال سوريا وشمال العراق، وأقامت قاعدة عدوان في قطر وأخرى في الصومال، وأرسلت وحدات من المرتزقة إلى طرابلس الغرب! وعلى غرار ملالي طهران باتت تتفاخر بوجودها في سوريا وقطر والصومال وتونس وليبيا، وأنها على غرار الهلال الفارسي أقامت هلالاً إخوانياً من «العثمانية الجديدة» فتتكامل الهيمنة الإمبراطورية التركية والإيرانية!
منذ وقت بعيد تتحدث الدعاية التركية عن أن كل شمال حلب حتى الموصل هي منطقة نفوذٍ تركي ويتقدم نهج التتريك. ومع بدء تراجع الاقتصاد التركي، وتفتت حزب «العدالة والتنمية» وكانت الذروة الهزيمة المدوية في انتخابات الإعادة في إسطنبول، وضع إردوغان رهانات كبيرة لاستعادة الدور الداخلي على مخطط تشتيت الأكراد في الشمال السوري، ومنع التواصل بين المناطق الكردية المتاخمة للحدود مع تركيا، وتعريب منطقة واسعة في شرق الفرات... بما يكرس دور تركيا في الإقليم.
لكن رياح المنطقة وأحلام تكريس النفوذ السريع اصطدمت بوقائع صلبة. أبرزها الفشل التركي في شرق الفرات بالوصول إلى المنطقة النفطية والثروة، وكذلك عندما عجزت أنقرة عن إقامة المنطقة الآمنة التي كان من المفترض أن تستقبل مليون لاجئ سوري من الموجودين في تركيا، وجاء الفشل رغم التهجير الواسع والتعديات التي لم تتوقف على المدنيين الأكراد... وبالمقابل اكتشفت أنقرة صعوبة الاحتفاظ بـإدلب التي لا تمنح تركيا حلم الاستثمار الذي تريده، فتغير منحى أطماع إردوغان باتجاه شرق المتوسط وليبيا، والأمر ليس جديداً فالعلاقة مع تونس - الغنوشي كانت عميقة وإن أصيبت تلك الأطماع بانتكاسة في السودان نتيجة التغيير الثوري، واضطرار أنقرة للتخلي عن جزيرة سواكن الاستراتيجية في البحر الأحمر!
الرئيس التركي مسكون بفكرة التمرد على اتفاقيتي سيفر 1920 ولوزان 1923 حيث أدتا إلى «حبس» تركيا داخل حدودها، وقضت على طموحاتها الخارجية، وقد ربط إردوغان التدخل التركي في ليبيا بهاتين الاتفاقيتين، عندما أعلن أن «مذكرتي التفاهم مع حكومة السراج تغيران الوضع السيئ لاتفاقية سيفر». ومن هذا المنطلق بالذات تبدو تركيا في حالة هجوم في محاولة لاستعادة أمجاد غابرة (...) وهذا ما يفسر النهج السياسي التجريبي المعتمد الذي أخرج تركيا من سياسة «صفر مشاكل»، التي هندسها داود أوغلو أحد أبرز خصوم إردوغان اليوم، إلى سياسة التصادم مع المحيط العربي والاشتباك مع أوروبا وأميركا، والتوافق مع الفرس والصهاينة على حدود الهيمنة والاستئثار!
ارتباطاً بذلك برزت على السطح طموحات العثمانية الجديدة بالنفط الليبي والرهان على دور أكبر للشركات التركية، والأهم السياسة الهجومية لتثبيت وضعٍ متقدمٍ لتركيا في المياه الإقليمية لليبيا. وأخذاً في الاعتبار ما تقوم به أنقرة من أعمال تنقيب غير قانونية في شرق المتوسط، انطلاقاً من احتلالها شمال قبرص، تتضح أكثر فأكثر الأهداف التركية في السعي لامتلاك حقولٍ للغاز، خصوصاً أن تحديد الحدود البحرية للمناطق الاقتصادية الخالصة مطلع الثمانينات لم يمنح تركيا ما تريده من ثروات المتوسط!
ثروات الطاقة والدور، شكلا المحرك الخطير لتركيا في المنطقة فبدأت أنقرة استخدام القوة العاتية وجندت مرتزقة سوريين لزجهم في الحرب على الشعب الليبي، وكانت البداية إرسال مئات من المرتزقة التركمان، ويتتابع وصول فصائل من المجموعات الإرهابية المتطرفة التي تحمل أسماء مثل «السلطان مراد» و«سليمان باشا» و«المعتصم»، وهي تابعة كلها للمخابرات التركية، وقد مُنحت هذه المجموعات مغريات وحوافز ورواتب مرتفعة تسددها حكومة السراج من حساب المواطن الليبي. يتزامن ذلك مع إعلان إردوغان من تونس، بعد الزيارة التي أثارت جدلاً واحتجاجات، أنه مستعد إلى إرسال قوات إلى ليبيا «إن استدعت المصلحة التركية ذلك»!! ويتحفنا «السلطان العثماني» الجديد بالزعم أن «تركيبة ليبيا السكانية تحوي مليون نسمة من أصول تركية»!! أي أن أحفاد العثمانيين يشكلون ربع سكان ليبيا، لتبرير التدخل الذي يهدد بإطالة الحرب الليبية وتدويلها، ولاحقاً التقسيم لنهب ثرواتها وتوجيه التهديد المباشر لمصر!
يكرر إردوغان في ليبيا الدور الخطير الذي لعبته تركيا في سوريا في عسكرة الانتفاضة، وتمدد الحرب الأهلية وما نجم عن ذلك من ويلات طالت كل السوريين، وتؤكد تركيا - العثمانية الجديدة، مضيها في نهجها كدولة مارقة راعية للإرهاب، القيام بكل الأدوار غير النظيفة لفرض هيمنتها والاستئثار بحصة كبيرة من ثروات المنطقة على حساب استقرار البلدان العربية ومصالح شعوبها.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة