«مرحباً... اسمي جايمس. حصلت مؤخراً على وظيفة في مكتب محاماة مرموق. رأيت صور الشقق المعروضة للبيع في مشروعكم الجديد، وأود رؤيتها قريباً؛ لأنني بالفعل أرغب في الشراء».
أرسل جايمس هذا الإيميل في الساعة الثالثة صباحاً بعد أن انتهى من إحدى مهامه في المكتب. جايمس لا ينام، ولا يشعر بالإرهاق لأنه مساعد ذكاء اصطناعي وليس إنساناً. يتقاضى راتبه في صورة كهرباء وخوادم. في الوقت نفسه الذي أرسل فيه الإيميل، كان زميله فايبر على وشك إرسال طلب لشراء سيارة فيراري حمراء بعد ترقيته لوظيفة كبير المساعدين الأذكياء في الشركة نفسها.
هذا السيناريو، بالطبع، خيالي. المشكلة فيه ليست المبالغة في قدرات الذكاء الاصطناعي، ولكن في افتراض سهولة محوه لدور البشر في سوق العمل من دون دفع أثمان سياسية واجتماعية واقتصادية باهظة، وهو ما تشعر به مع الحديث اليومي حول تهديد التكنولوجيا الوليدة للوظائف المكتبية، لا سيما تلك التي يشغلها حديثو التخرج أو قليلو الخبرة.
الحقيقة أن معظم النبوءات التي يبشر بها أنصار التكنولوجيا حول قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء وظائف البشر في قطاعات مثل القانون والمال والمحاماة تتجاهل الإجابة عن سؤالين رئيسيين: الأول هو كيف يمكن للاقتصاد (الأميركي على سبيل المثال) أن يعوّض النقص الحاد في القوة الشرائية الناتج عن ارتفاع البطالة؟ والثاني هو من أين سيأتي كبار المهنيين غداً (قضاة/محامون/مديرون) إذا انكمشت - أو اختفت - معظم الوظائف الصغيرة التي تصنع الخبرة؟
ولعل تجاهل السؤال الأول تحديداً كان أحد الأسباب التي أدت إلى حالة من الهيستيريا هذا الأسبوع، عندما نشرت شركة غير معروفة نسبياً تدعى «سيتريني للأبحاث» نصاً خيالياً يؤدي فيه استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى موجة بطالة واسعة عام 2028 تقضي على القوة الشرائية للمستهلكين، ومن ثم أرباح الشركات في النهاية رغم الارتفاع الأولي في معدلات الإنتاجية. تسبب السيناريو الخيالي في تراجع حاد في مؤشرات الأسهم الأميركية يوم الاثنين، قبل أن تعاود الصعود في اليوم التالي. جاء التقرير، بالطبع، ليسكب الزيت على النار في وقت يشعر فيه المستثمرون بقلق متزايد إزاء الأثر المحتمل للذكاء الاصطناعي على نماذج أعمال الشركات القائمة.
هناك، بالطبع، سيناريو محتمل يؤدي فيه تسارع الإنتاجية إلى جانب زيادة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي (لتصنيع الرقائق أو مراكز البيانات، على سبيل المثال) إلى نمو اقتصادي قوي مع معدل بطالة مرتفع بين أصحاب الوظائف المكتبية، وهو ما يعني اتساعاً ملحوظاً في الفجوة بين الأغنياء والفقراء. ثمة مؤشرات أولية لذلك بالفعل في الولايات المتحدة، حيث يتحدث المحللون عن «طفرة بلا وظائف». وفي بعض القطاعات، أصبح السؤال الأكثر انتشاراً قبل الإعلان عن شواغر جديدة: هل يمكن للآلة أن تقوم بالمهمة بدلاً من تعيين إنسان؟
ليسا كوك، إحدى محافظي الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، ألمحت إلى أن هذا النوع من البطالة الناتج عن الأتمتة لا عن تباطؤ الطلب، قد لا يمنح المصرف المركزي مساحة كبيرة للمناورة؛ لأن خفض أسعار الفائدة في ظل نمو اقتصادي مرتفع قد يزيد من المخاطر التضخمية. وحتى لو خفّض الفيدرالي الفائدة لتشجيع التوظيف، ما الذي سيدفع الشركات لتعيين البشر إذا كان البديل أرخص وأسرع؟
لكن من المهم هنا ملاحظة أن معدل البطالة لا يزال منخفضاً في معظم الاقتصادات المتقدمة، وهو ما أشارت إليه كوك في خطاب هذا الأسبوع. ما لم تقله هو أن العديد من الأنظمة الديمقراطية الغربية سيواجه مصاعب سياسية جمة في حال أدى الذكاء الاصطناعي إلى تسريح الملايين من «الناخبين». لذلك تجد أصواتاً من بين روّاد التكنولوجيا الحديثة، مثل داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، تدعو إلى تدخل حكومي بفرض ضرائب أو تشريعات أخرى تحد من الأثر السلبي المحتمل على الإنسان. غير أن مثل هذا التدخل يظل مستبعداً قبل أن نشهد تسارعاً ملموساً في معدل البطالة خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة.
السيناريو الآخر هو أن يقضي الذكاء الاصطناعي بالفعل على العديد من الوظائف، لكن مع خلق مهام جديدة للبشر، مثل ما أدى اختراع التليفون إلى وظائف في هندسة الاتصالات وما حولها.
غير أن هذا الاحتمال، وغيره، لا يجيب عن السؤال الآخر المطروح في هذا المقال، وهو: كيف يمكن لأي شركة أن تؤهل مدير المستقبل من دون متدرب اليوم؟ وهل يمكن لمهن مثل القضاء أو المحاماة أو الإدارة العليا أن تعيد إنتاج نفسها إذا انقطعت حلقات التدريب الأولى؟
في مقال بعنوان «احتمالات اقتصادية لأحفادنا» نشره عام 1930، رأى الاقتصادي البريطاني الشهير جون مينارد كينز أن المكاسب من التكنولوجيا وتراكم الاستثمار قد يؤديان إلى رخاء غير مسبوق للبشرية خلال 100 عام، تنتفي معه الحاجة إلى العمل 40 أو 50 ساعة أسبوعياً، ويتحول شغلنا الشاغل من التفكير في البقاء إلى التأقلم مع الوفرة. بالطبع، هذا يتطلب أن تصل تلك الوفرة إلى الناس، لا أن تبقى متكدسة في أعلى الهرم.
في هذه الحالة، يا أهلاً بمستر جايمس!
