الديمقراطية تنتقم لنفسها

الديمقراطية تنتقم لنفسها

الأحد - 18 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 15 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [14992]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

«الديمقراطية لها أنياب»، ليست الأنياب التي قصدها الزعيم المصري الراحل أنور السادات، بقوله عندما أراد الإطاحة بخصومه قبل سبعة وأربعين عاماً، وإنما الأنياب التي تتسبب في نزف الأصوات الانتخابية في أعرق الديمقراطيات.
ملاحظات جالت بخاطري ما بين العاشرة مساء والثالثة صباحاً بتوقيت غرينيتش ليلة فرز الأصوات عندما تأكد فوز حزب المحافظين العريق بأكبر أغلبية مقاعد في أم البرلمانات منذ فوز مارغريت ثاتشر الكاسح في 1987.
الناخب البريطاني يقبل التضحية بأشياء كثيرة كالطعام والمسكن ومستوى المعيشة في سبيل الحفاظ على أهم مكتسبين تاريخيين؛ حريته كفرد في الاختيار، والديمقراطية التي كشرت عن أنيابها يوم الخميس.
القاعدة المتكررة تاريخياً أن الشعوب التي تتطور عبر التاريخ بالاتفاق الجماعي وتتمتع باستقرار، لم تعرقله الثورات والانقلابات والحروب الأهلية، لديها حكمة عامة بحس في العقل الباطن الجماعي في جينات الثقافة الديمقراطية.
الملاحظة الأخرى عودة خطوط التقسيم السياسي التقليدية في الدوائر الانتخابية، رغم تفاعل «بريكست». عاد الناخب العادي إلى التصويت على الخطوط نفسها التي صوت عليها أبوه وجده حتى لو اختلفت ألوان الخطوط.
بدأت الملاحظات تتدفق متسارعة وأدوّنها في الدفتر الصغير «بالشورت هاند» (جيلي من الصحافيين يفضل النوتة على التسجيل في التليفون الذكي).
حصون دوائر الشمال حول الطبقات العاملة الفقيرة، التي تمترس فيها العمال لأكثر من قرن تتساقط وتسلم مفاتيحها إلى المحافظين.
كنا نتابع النتائج بتحليلات ومناقشات في ندوة استضافها سفير البحرين في لندن الشيخ فواز آل خليفة، جمع فيها الدبلوماسيين بالساسة البريطانيين والصحافيين والصحافيات لمناقشة تغير اتجاه التصويت. جهز السفير القاعة وشاشات التلفزيون، قبل معرفة النتائج، لتحليلات شاملة جماعية بريطانية عربية عن تأثير تكوين البرلمان الجديد على المصالح العربية.
وأرجو أن تكون مبادرة سفير البحرين إرساء لتقليد يتكرر مع كل انتخابات؛ فالمبادرة الأولى من نوعها، باستثناء السفارة الأميركية التي اعتادت أن تقيم ندوة مفتوحة بدعوات ليلة إعلان النتائج في انتخابات المملكة المتحدة.
وهذا يجرني إلى ملاحظة أخرى. الذين قبلوا الدعوة وشاركوا في المناقشات والتحليلات من نواب برلمان، ووزراء سابقين، وأعضاء مجلس اللوردات كانوا من المحافظين وليس العمال. فتاريخياً كان حزب المحافظين هو الأقرب للعرب وللمصالح العربية من العمال، الذين يتخذون، حالياً، موقفاً آيديولوجياً أقرب للماركسية اللينينية بعدائية واضحة من معظم البلدان العربية ومطالب بالمقاطعة ومنع صادرات السلاح إليها.
ندوة متابعة نتائج فرز الأصوات مساء الخميس حتى فجر الجمعة، حررتني من قيود الكاميرا والميكروفون وسجن الاستوديو المعتاد في تغطية الانتخابات السابقة (ثمانية انتخابات واستفتاءان)، ولذا دونت ملاحظاتي بذهن أكثر وضوحاً حول ما دار في بريطانيا، والاستماع للمشاركين حول علاقة بريطانيا ما بعد «بريكست» بالبلدان العربية.
وعودة لملاحظتي الأولى. غالبية الناخبين، حتى الذين لا يصوتون للمحافظين أبداً، أنزلوا العقوبة الرادعة بالنواب الذين احتقروا نتيجة تصويتهم في استفتاء «بريكست» رافضين تنفيذ التعليمات التي أصدرها الشعب في الاستفتاء.
النواب الثمانية عشر الذين هجروا حزبيهما ليكوّنوا حزباً جديداً كلهم سقطوا في الانتخابات.
معظم النواب الذين نكثوا وعدهم في انتخابات 2017 (بتنفيذ بريكست) أيضاً فقدوا مقاعدهم. استل الناخب مبضع الديمقراطية واستأصلهم من وستمنستر. فالانتخابات في الديمقراطية البرلمانية موعد تجديد عقد الخادم (النائب) مع مخدومه (الناخب).
الغالبية العظمى من الناخبين، خصوصاً الطبقات الكادحة، ولا أقصد هنا «الشغيلة» بالمفهوم الاشتراكي الماركسي، وإنما أكثر من ثلثي العاملين الذين يدخلون للخزانة ثلاثة أرباع النقد السنوي، غير الموظفين سواء في قطاع عام أو خاص. العاملون بأنفسهم لأكثر من اثنتي عشرة ساعة يومياً، ابتداء من موصّل طرود «أمازون» بالموتوسيكل، وسائق تاكسي «أوبر» حتى رجال الأعمال الصغار العصاميين كصاحب الورشة، وصاحب مركب صيد الأسماك وأولاده... هؤلاء ليس لديهم الوقت للخروج في مظاهرات «تمرد الفناء» وفرض ضرائب «لإنقاذ المناخ من الإنسان». الأغلبية الصامتة والعامل المشترك، هما الحكمة الجماعية لدى الشعب الواعي.
طوال عام فرضت الصحافة اليسارية وشبكات التلفزيون التي تديرها النخبة الليبرالية، أجندة على الرأي العام بأن العالم يواجه كارثة بسبب التغيير المناخي، وخرجت جموع «تمرد الفناء» وكلهم من أبناء الطبقات الميسورة، ومنحتهم الشبكات الكاميرا والميكروفون. والأجندة الثانية تخويف الرأي العام والمواطنين بأن المحافظين بزعامة جونسون سيذبحون البقرة المقدسة؛ وهي التأمين الصحي القومي ليبيعوا لحمها للأميركيين.
الأغلبية الصامتة رفضت هذه الأجندة؛ فحزب الخضر الذي أعلن نفسه، منذ عقود، الممثل الشرعي الوحيد للبيئة وقضيتها فشل في الإضافة إلى مقعده اليتيم الذي تحتله زعيمة الحزب (بالمشاركة مع زعيمين آخرين!) كارولين لوكاس منذ 2010.
كما لم يصدق العقل الجماعي للناخب، رغم النقص الشديد في المستشفيات والانتظار في طوابير العلاج، البروباغندا الوهمية التي روّجت لها الصحافة اليسارية حول خدمات الصحة العامة، بجانب ارتباط الوعي بالعامل السابق، أي التضحية في سبيل الاحتفاظ بالحرية والديمقراطية.
التصويت عودة إلى النظام التقليدي حول الحزبين الكبيرين فيما يراه الناخب مصلحته الطبقية والاقتصادية. فالحزب الصغير المكون من المنشقين تلاشى بلا أثر. وقضى الناخب على الخرافة التي روّجت لها صحافة النخبة بأن «بريكست» هو «مؤامرة لليمين» (يسمونه اليمين المتطرف) فالدوائر «الاشتراكية» العمالية اليسارية صوّتت لنواب محافظين رفعوا شعار «بريكست». حزب الديمقراطيين الأحرار خاض الانتخابات بشعار إلغاء «بريكست»، فعاقبه الناخب بخسارة زعيمته مقعدها البرلماني وظل عدد مقاعده كما هو (13).
لو كانت الانتخابات حول «بريكست» فقط لكان المحافظون فازوا بفارق لا يزيد على ثلاثين مقعداً (نسبة الخروجيين للبقائيين)، لكنه فاز بفارق 102 مقعد على العمال وأغلبية 80 مقعداً على الأحزاب الأخرى مجتمعة. بينما فشل حزب «بريكست» في كسب مقاعد، ومجموع أصواته اثنين في المائة فقط.
القضايا التقليدية، وفي مقدمتها الاقتصاد والضرائب كانت أكثر العوامل الحاسمة.
دوائر العمال لديها أيضاً ذاكرة جماعية. وأكثر ما أفزعهم برنامج التأميمات والاشتراكية الماركسية التي جربتها الحكومة العمالية (1974 - 1979)، ورغم أنها بدأت بوعود دعم الخدمات وقتها فإنها انتهت بالفشل وارتفاع البطالة ونسبة الفائدة والكساد الاقتصادي.
الطبقات العاملة حرمت العامل من أكثر من مليوني ونصف المليون صوت في 59 دائرة ذهب 48 منها للمحافظين، لأنها رأت حزبها العمالي يهجرها إلى «اشتراكية الترف». وأقصد أن منظّري برامجها وراسمي استراتيجيتها من أبناء الذوات ميسوري الحال، وتتذكر الطبقة العاملة أنها، لا منظّري اشتراكية الترف، دفعت ثمن البرنامج الاشتراكي الباهظ قبل أربعة عقود.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة