«مِسْك الكتاب».. رونق يزيد من وهْج الطفرة الثقافية السعودية

«مِسْك الكتاب».. رونق يزيد من وهْج الطفرة الثقافية السعودية

الخميس - 8 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 05 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [14982]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق

نتيجة الاستكبار الفارض سطوته على أي تخريجة لإصلاح ما يجب إصلاحه في لبنان، لم يُكتب للحدث المعرفي السنوي الذي هو معرض الكتاب أن يتم في الموعد المحدد آخر نوفمبر(تشرين الثاني) 2019 بأمل عقْده آخر فبراير (شباط) 2020 وأُضيع على اللبنانيين وغيرهم التجول كما كل آخر شهر من العام على عشرات أجنحة دور النشر اللبنانية والعربية يختارون منها ما من شأنه إثراء المعرفة، كما يختارون لأولادهم من الكتب ما ينمي فيهم روح القراءة وباللغة العربية التي تتراجع بعض الشيء تحت وطأة وسائل المعرفة والتسلية الإلكترونية.
كما أُضيع على عالم النشر في لبنان الأمل في استعادة حيويته وهو الذي كان من خلال 618 دار نشر مسجَّلة رسمياً يرفد العالم العربي على مدى نصف قرن من الخمسينات بألوف العناوين لمؤلفات في الأدب والفقه والعلوم فضلاً عن ريادته في ترجمة ما ينفع باللغتيْن الفرنسية والإنجليزية إلى اللغة العربية تزيد من المعرفة لدى اللبناني والأشقاء العرب. هنا يحضُرنا القول الشهير: بيروت تطبع والعالم العربي يقرأ.. أو هي تطبع ليقرأ الأشقاء العرب. ولكم يشعر المرء بالأسى كون تنكيس عَلَم دورة معرض الكتاب في بيروت يحدُث بعد أسبوع من إعلان المديرية العامة لليونيسكو من باريس اختيار بيروت «مدينة مبدعة في الأدب» وتكون المدينة العربية الثانية بعد بغداد، المكتوية هي الأُخرى وسائر مدن بلاد الرافديْن بنار مفاعيل الاستكبار الثوري الإيراني، في شبكة المدن المبدعة التي أنشأتْها المنظمة الأممية الثقافية عام 2004. وفي حيثيات الاختيار «إن لقب مدينة مبدعة يضع بيروت على خريطة المدن المبدعة في الأدب كما في غيره من المجالات بما يساهم في تحفيز الإنتاج الأدبي فيها والانفتاح على آداب المدن الإبداعية الأُخرى».
في الوقت الذي يحدُث هذا التنكيس لعَلَم معرض الكتاب في دورته السنوية تحت وطأة مفاعيل الاستكبار الثوري الإيراني التي تعرقل سبيل التوافق على صيغة تمهد بالتدرج أمام تسوية ثابتة في لبنان، نجد كيف أنه في ظل الاستقرار تنعقد في الشارقة الدورة السنوية للمعرض ويلقى الكتاب من أهل الحُكْم ومن الشعب الإماراتي وكذلك من المقيمين والعاملين في الدولة الاهتمام والإقبال، المماثل لما لقيه الكتاب في القاهرة في دورة معرضه للعام 2019، ونجد الحالة نفسها تحدُث في العام نفسه في دورة معرض الكتاب في دولة الكويت وفي الجزائر وقبل ذلك في دمشق وعمان وإسطنبول. وحتى في أربيل عايش إخواننا الكرد باهتمام دورة لمعرض الكتاب في عاصمة إقليمهم، وكذلك في السودان الخارج شعبه من نضال مرير انتهى بصيغة سيادية وحكومية مستقرة أقيم معرض الكتاب وأثمر اهتماماً من جيل الانتفاضة الميمونة.
وكما في السنوات الخمس الماضية أخذ معرض الكتاب في الرياض وكذلك في جده الحظوة اللافتة من الاهتمام ليس فقط لأن الكلمة تزداد زهواً في ظل القائد المعرفي الملك سلمان بن عبد العزيز وإنما لأن الخمسية الأُولى لخادم الحرميْن الشريفيْن زادت الاستقرار ثباتاً رغم التحرشات الاستكبارية التي استهدفت استقرار المملكة. ومِن قبْل انعقاد الدورة المقبلة لمعرض الكتاب في الرياض تتواصل الطفرة المعرفية بكل ملامحها التي آخرها وليس أخيرها عضوية في المجلس التنفيذي بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو).
كما أن المملكة وعلى نحو ما أفاد به وزير الثقافة بدر بن عبد الله بن فرحان على موعد مع خطوة متقدمة من خلال مبادرة «مِسْك الكتب» إحدى رموز معالم التطوير «رؤية 2030» على نحو الشمولية التي يريدها لها وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان، وتتمثل تلك الخطوة بنشر مائة عنوان في شتى حقول المعرفة. وما هو لافت في هذا الإطار أن هذه الخطوة ما دامت ليست ربحية وتأخذها على عاتقها المرجعية الثانية في الدولة وبما يمثله رمزها الأمير محمد من حيوية وحِرْص على الإنجاز، فإنها ستتيح المجال أمام الألوف الذين يتطلعون إلى القراءات النوعية لكن ارتفاع أسعار الكتب على ما هي الحال في الزمن الراهن لا تيسر الأمر أمام مَن يؤسس في منزله مكتبة خاصة تحوي العناوين المختارة بعناية وفي معظم مجالات المعرفة، هذا إلى أن هذه المائة عنوان ستليها مائة أُخرى بل ومئات وذلك لأن آفاق الطفرة الثقافية والمعرفية التي تشمل العلوم والفنون والطب والتراث والسياسة والآثار رحبة. كما أن التطوير أياً كانت هويته لا يُختصر بمدة زمنية.
ثم إن هذه الخطوة المعرفية المتمثلة «مِسْك الكتب» ربما تؤسس بعد التعامل مع دور نشر عالمية ذات سمعة في جدية ما تنشره من كُتب تتولى المؤسسة التي أرادها الأمير محمد بن سلمان وتلقى اهتماماً نوعياً من جانبه، إلى أن يكون هنالك نشْر بالمقابل من جانب دور النشر الأجنبية لمؤلفات تصدر بالعربية خصوصاً أن في العالم العربي صفوة من المفكرين الذين يثري دعم «مِسْك الكتب» لهم شحْذ هممهم وتركيزهم على إنجاز أعمال تفيد الأمة عند ترجمتها إلى لغات أجنبية. وبذلك لا يقتصر الأمر على أن تكون العملية المتوخاة حصراً على ترجمة الأجنبي إلى العربي وإنما تعامُل بالمثل. وهذا نفتقده مع الأسف في التعامل الإعلامي مع مؤسسات أجنبية تتولى تسويق كتابات ليست كلها في المستوى المناسب لقضايا الأمة، ويتم نشْر هذه الكتابات بعد ترجمتها إلى العربية من دون أن تحذو الجهة المسوِّقة الحذو المقابل أي تسوِّق من الكتابات باللغة العربية ما تراه مناسباً. وعدا ذلك تبقى المسألة بمفردات أهل التجارة والأسواق أقرب إلى مجرد عملية استيراد من دون تصدير.
وأستحضر كتأكيد إلى ما أشير إليه في شأن إمكانية التبادل النشري إلى أننا في الثمانينات عشنا خطوة لافتة. في تلك الحقبة كنت أنشر في لندن مجلة «التضامن» الأسبوعية السياسية والاقتصادية وأبرمنا اتفاق تعاون مع صحيفة «فايننشال تايمز» ننشر بالعربية مواد مختارة منها مع بعض التصرف الموضوعي في الترجمة من الإنجليزية على أن تنشر الصحيفة ما تراه مناسباً أيضاً من مادة حول أمور اقتصادية عربية تنفرد المجلة بها. وكان هذا الاتفاق رائداً وحقق المبتغى. كما أنه شجعنا على إبرام اتفاق مماثل مع دار النشر التابعة لجامعة «كامبريدج» وباشرْنا إصدار بعض عناوين صادرة عن الدار كما بدأنا نُعد العدة لتأمين تزويد دار «كامبريدج» بمادة كُتب نشرنا في «التضامن» فصولاً منها وهي من تأليف الدكتور لويس عوض والدكتورة نوال السعداوي، وكذلك كتاب لي حول السيرة الذاتية والنضالية للدكتور جورج حبش وكان مأمولاً للخطوة أن تصل إلى مرحلة التنفيذ والديمومة لولا أن الظروف الناشئة عن الغزوة الصدَّامية للكويت وما تلاها من حرب عربية دولية على العراق، أربكت خطوات كثيرة إحداها خطوة طموحة على صعيد النشر المشترَك الذي أشرتُ إليه. وقصدي من ذلك هو القول إن عملية الاستيراد يقابله التصدير ممكنة ووجوب الأخذ بها يعطي الاستنهاض الثقافي النوعي من جانب «مِسْك الكتاب» رونقاً يزيد من وهْج الطفرة الثقافية المبهرة في المملكة العربية السعودية بكل روافد بحيرتها العميقة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة