«العولمة فشلت، وستنتصر الأمْرَكَة»، هذا هو منشور وزارة العمل الأميركية الأسبوع الماضي على منصة «إكس»، الذي عبّر صراحة عن موقف الإدارة الأميركية من العولمة، وهو موقف ليس بالجديد، فالولايات المتحدة لم تعد تنظر للعولمة بوصفها مساراً اقتصادياً تقوده الأسواق، بل منظومةً تحتاج إلى إعادة ضبط وتوجيه، وشككت واشنطن خلال السنوات الماضية في جدوى العولمة بصيغتها التقليدية، خصوصاً تلك القائمة على سلاسل إمداد طويلة ومعقّدة تمتد عبر قارات متعددة، هذا التشكيك جاء مع قائمة طويلة من المستجدات الدولية مثل الجائحة والتوترات الجيوسياسية المتلاحقة والحرب التجارية مع الصين، وهو ما أخرج مصطلحاً جديداً هو العولمة الانتقائية (Selective Globalization) أو العولمة الدقيقة (Precision Globalization)، وهي نقطة تحول لا انتهاء في العولمة.
وقد ذكر منتدى الاقتصاد العالمي مصطلح العولمة الانتقائية في تقريرٍ له الشهر الماضي، موضحاً أن العولمة بشكلها التقليدي قامت على مبدأ الانفتاح الواسع غير المشروط، بهدف تعظيم الكفاءة وخفض التكاليف، حتى لو تطلب ذلك تركيز الإنتاج في دولة واحدة، وتأتي العولمة الانتقائية بمنطق مختلف، فالانفتاح لم يعد غاية بحد ذاته، بل أداة تستخدم بقدر محسوب، فالدول والشركات باتت تميّز بين القطاعات وتفرّق بين ما يمكن تعريضه للمنافسة العالمية، وما يجب تحصينه لأسباب تتعلق بالأمن الاقتصادي أو الاستقرار الاستراتيجي، هذا الشكل من العولمة لا يقوم على الانفتاح المطلق، ولا على الانغلاق القومي، بل على اختيار دقيق لمواضع الاندماج في الاقتصاد العالمي، ودرجاته، وشركائه، وأوضح المنتدى صراحة أن العالم في حاجة إلى التحول إلى هذا النوع من العولمة.
وتجسدت العولمة الانتقائية في عدد من الاستراتيجيات التي تحقق غاياتها، ومنها استراتيجيات التوطين، وهي عادة أولى الاستراتيجيات التي يُنظر إليها في حال تحققت الجدوى الاقتصادية منها وبصفتها حلاً للقطاعات شديدة الحساسية، كذلك هناك استراتيجية التقريب الجغرافي للإنتاج، حيث تحاول الدول تقصير مسافات سلاسل الإمداد وتحويلها نحو دول أقرب جغرافياً للتحوط من التوترات الجيوسياسية، وتأتي استراتيجية الاعتماد على الدول الحليفة ثالثةً حتى وإن كانت التكلفة أقل تنافسية، وبالتأكيد هناك استراتيجية الصين 1، التي تكاد تطبقها جميع الدول الغربية بإيجاد بدائل للمنتجات الصينية حتى لا تكون هذه المنتجات ورقة ضغط في صالح الحكومة الصينية.
ويظهر هنا أنه في العولمة التقليدية يقتصر دور الدولة غالباً على التنظيم العام، مع ترك قوى السوق تقود التجارة والاستثمار، ويُنظر إلى الاقتصاد على أنه مجال منفصل نسبياً عن السياسة، كما تُهمَّش المخاطر الجيوسياسية وسلاسل الإمداد طويلة الأجل، أما في العولمة الدقيقة فيتوسع دور الدولة ليشمل التوجيه الاستراتيجي للاقتصاد، ودعم القطاعات الحساسة، والتدخل عبر السياسات الصناعية والتنظيمية، ويُعترف صراحة بتداخل الاقتصاد مع الجغرافيا السياسية والتحالفات الدولية، بحيث تصبح إدارة المخاطر، وتنويع الشركاء، وتقليل الاعتماد على مورد أو دولة واحدة عناصرَ مركزيةً في صنع القرار الاقتصادي.
ويظهر هذا التحول بوضوح في سلوك الشركات متعددة الجنسيات، وقد أظهر استطلاع الرؤساء التنفيذيين الذي قامت به شركة «EY» أن غالبية الشركات لا تخطط للانسحاب من الأسواق العالمية أو العودة الشاملة للإنتاج المحلي، أي أنها لا تسعى لإنهاء العولمة بشكل كامل، بل تتجه إلى تنويع سلاسل الإمداد وتقليل المخاطر، وأظهر الاستطلاع أن نسبة محدودة من الشركات تفكر في إعادة التوطين الكامل، بينما تتجه الأغلبية إلى إعادة توزيع الإنتاج جغرافياً، بما يقلل من الاعتماد على دولة واحدة، دون التخلي عن العولمة نفسها، وتؤيد البيانات هذه النتيجة، حيث نمت التجارة العالمية بنسبة 3.3 في المائة في عام 2025، وتجاوز حجم التجارة العالمية مستويات ما قبل الجائحة بنحو 10 في المائة، ولكن هذا الاستمرار لم يكن على الصورة القديمة نفسها، بل جاء بشكل انتقائي يوضح الاستراتيجيات المذكورة سالفاً.
إن هذا التغير في مفهوم العولمة لم يكن ليتخيله أحد قبل عقد من الزمان، حينها كان أي تدخل للدولة في الأسواق يعد تدخلاً سلبياً، وكانت الأسواق المفتوحة مصطلحاً إيجابياً بكل المعاني، ولكن الزمن تغير، وأصبحت الأسواق المفتوحة لا تصب في مصلحة الجميع، وتأييد منتدى الاقتصاد العالمي لهذا المصطلح يعني أن العالم لم يعد يقبل العولمة التقليدية، وهو أشبه ما يكون بإعادة تعريف العولمة للحفاظ عليها والبعد عن توجه العزلة الاقتصادية التي تتجه إليها العديد من الدول، وفي هذا التحول في فلسفة العولمة، تظهر بشكل أقل اندفاعاً وأكثر وعياً بالمخاطر، وتخضع لحسابات استراتيجية تتجاوز منطق السوق البحت، وهي صيغة أقرب للواقعية التي فرضتها التحولات العالمية.
