السبيل إلى زيادة الإنتاج

السبيل إلى زيادة الإنتاج

الأربعاء - 23 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 20 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [14967]
نوح سميث
كاتب في «بلومبيرغ»
عبر حلقات مسلسل كوميدي يحمل اسم «ذي أوفيس»، يقضي مدير متلعثم جل وقته في تشتيت انتباه فريق من الموظفين أصحاب الحظ السيئ داخل قسم المبيعات بالشركة المتخصصة بمجال بيع الورق. وبصورة ما، ورغم كل العوامل التي تعوق إنجاز أي شيء تقريباً، ينجح هذا القسم باستمرار في احتلال المرتبة الأولى بين أقسام الشركة من حيث الأرباح التي يدرها. ورغم أن هذا من المؤكد قد بدا غير واقعي على نحو مضحك للكثير من مشاهدي المسلسل، فقد اتضح أنه يستند إلى بعض الأساس في أرض الواقع.
في أغسطس (آب)، أجرت شركة «مايكروسوفت» تجربة في اليابان، بلد اعتاد الناس فيه العمل ساعات طويلة، ذلك أن الشركة الأميركية العاملة بمجال البرمجيات قررت منح موظفيها خمس عطلات نهاية أسبوع متعاقبة مدة كل منها ثلاثة أيام. المذهل أن مبيعات «مايكروسوفت» بالنسبة للموظف ارتفعت بنسبة 40 في المائة عن العام السابق. أيضاً، وفرت الشركة فواتير الكهرباء وتكاليف طباعة الورق ونسخه.
الآن، سيحتاج تأكيد هذه النتائج إلى تجربة أكثر منهجية، خاصة أن الكثير من العوامل الأخرى ربما أسهمت في ارتفاع حجم المبيعات. ومن أجل التمكن من تحديد ما إذا كان تقليص عدد ساعات العمل زاد الإنتاجية، ينبغي لشركات تجريب هذا البرنامج ببعض أقسامها، مع عدم تطبيقه في البعض الآخر، ثم مقارنة أداء الجانبين.
ومع ذلك، ثمة أسباب تدعو للاعتقاد بأن الأمر لم يكن مجرد ضربة حظ، فقد تمخضت تجربة مشابهة أجرتها شركة نيوزيلندية عام 2018 عن نتائج مشابهة. وخلصت أبحاث أجراها العالم الاقتصادي لدى جامعة ستانفورد، جون بنكافيل حول عمال مصنع بريطاني للذخائر أثناء الحرب العالمية الأولى إلى أنه بعد نقطة بعينها، يحد العمل لساعات أكثر من الإنتاجية عن الساعة.
وليس من الصعب تخيل طبيعة بعض الأسباب التي تقف وراء ذلك، فساعات العمل الطويلة تسبب الإرهاق، بدنياً وذهنياً. ويؤثر هذا الإرهاق بدوره ليس فقط على الساعات القليلة الأخيرة من يوم العمل، وإنما كذلك جميع ساعات عمل اليوم التالي، فالموظف الذي يجر قدميه للعود إلى العمل بعد ساعات قليلة من الراحة لن يكون منتجاً للغاية في الصباح. وبعد ذلك، يصيبه اليوم الطويل التالي بدرجة أكبر، وتبدأ دورة العقاب والمعاناة من جديد. وفي نهاية الأمر، يبدأ العامل في ارتكاب بعض الأخطاء البسيطة وتتباطأ وتيرة أدائه ويخفق في أخذ زمام المبادرة لإصلاح المشكلات واستغلال الفرص الجديدة.
يتمثل سبب آخر في تراجع الإنتاجية في أن العامل قد تنفد أمامه المهام التي يمكنه الاضطلاع بها، ذلك أن بعض المهام يمكن إنجازها في أي وقت، بينما يتعين الانتظار قبل الشروع في إنجاز أخرى بما يتوافق مع جداول عمل آخرين.
ومن المحتمل أن يجد الموظفون شيئاً مفيداً لعملهم خلال تلك الساعات الإضافية، لكن الفائدة تتراجع مع كل ساعة إضافية. وفي نهاية الأمر، ينتهي الحال بالعاملين إلى تصفح «تويتر» أو تبادل أطراف الحديث مع زملائهم غير المشغولين بأعمال، وذلك انتظاراً لنهاية اليوم.
وربما يرتبط سبب ثالث محتمل وراء غياب الإنتاجية عن أيام العمل الطويلة بالصورة الاجتماعية، ذلك أنه نظراً لأنه من المستحيل على المديرين مراقبة عن قرب جميع العاملين تحت رئاستهم للتأكد من التزامهم بالمهام الموكلة إليهم، فإن بعض الموظفين قد يحاولون إظهار أنهم يعملون بدأب من خلال البقاء لوقت متأخر داخل المكتب. وربما يضطر موظف ينجز عمله في وقت مبكر إلى البقاء في المكتب حتى رحيل المدير أو الزملاء، خوفاً من أن يتعرض لانتقادات باعتباره كسولا.
والحل الواضح لهذا الأمر يتمثل في توجيه الموظفين نحو الذهاب إلى أعمالهم في وقت مبكر عن الموعد المحدد. وإذا كان العاملون يشعرون بالإرهاق، فإن هذا سيمنحهم طاقة أكبر. أما إذا كانوا يحاولون التظاهر بأنهم منهمكون في العمل، فإن هذا سيعفيهم من الحاجة إلى التظاهر. أما إذا كان لديهم حجم أكبر من العمل مما يمكنهم إنجازه داخل المكتب، فإنه بمقدورهم دوماً إنجاز بعض المهام من المنزل.
وتعتبر فكرة العمل لمدة أربعة أيام أسبوعياً، مثلما حدث خلال تجربة مكتب «مايكروسوفت» في اليابان، واحدة من السبل لدفع الموظفين للرحيل إلى منازلهم مبكراً. من بين السبل الأخرى إعطاء الشركة العاملين الكثير من الإجازات مدفوعة الأجر.
ويتمثل سبيل ثالث في تقصير عدد أيام العمل بالأسبوع، ما يسمح للشركات بتحديد كيفية توزيع ساعات العمل عبر أيام الأسبوع. جدير بالذكر أن بعض الدول تستخدم مزيجاً من هذه التوجهات ـ فرنسا، مثلاً، يبلغ عدد ساعات العمل الأسبوعية بها 35 ساعة وإجمالي عدد أيام الإجازات السنوية مدفوعة الأجر 36 يوماً. وعليه، فإنه من غير المثير للدهشة أن فرنسا تحظى بواحد من أعلى مستويات الإنتاجية للساعة الواحدة على مستوى الدول المتقدمة.
وتحتاج اليابان والولايات المتحدة على وجه الخصوص لهذا التوجه، فالأميركيون يعملون لساعات عمل أطول عن نظرائهم في دول شمال أوروبا الأكثر إنتاجية، ولا يفرض القانون الفيدرالي أي إجازات مدفوعة الأجر.
في الوقت ذاته، تراجعت ساعات العمل الرسمية في اليابان لمستوى أقل عن الولايات المتحدة. ومع هذا، لا تزال الكثير من الشركات اليابانية مستمرة في إجبار موظفيها على العمل ساعات إضافية غير مدفوعة الأجر لا توثق بالسجلات. وقد حاولت حكومة رئيس الوزراء شينزو آبي تغيير ثقافة العمل الإضافي، لكنها تواجه مشقة في ذلك.
وجرى سحب خطة لمكافأة العمال عن النتائج بدلاً عن ساعات العمل بعدما كشفت بيانات عدم جدواها، في الوقت الذي لم تمرر فيه بعد إجراءات ترمي لمعاقبة الشركات على إلزام الموظفين على العمل ساعات إضافية غير مدفوعة.
فيما يخص الولايات المتحدة واليابان، وعدد من الدول الأخرى التي يعمل خلالها الموظفون أيام عمل طويلة دون فعالية، فإن فرض القانون لساعات عمل أقل ـ من خلال قصر العمل على أربعة أيام في الأسبوع، أو توفير عدد أكبر من أيام الإجازات مدفوعة الأجر ـ من الممكن أن يمثل ما تحتاجه هذه الدول لزيادة إنتاجيتها، مع العمل في الوقت ذاته على تحسين مستوى التوازن بين العمل والحياة.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة