التطرف في معالجة التطرف

التطرف في معالجة التطرف

الثلاثاء - 15 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 12 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [14959]
حمد الماجد
استاذ في جامعة الإمام بالرّياض، وعضو الجمعيّة الوطنيّة لحقوق الإنسان وعضو مجلس إدارة مركز الملك عبدالله العالمي لحوار الأديان والحضارات - فيينا
لن أعلق كثيراً على مقتل عواد إبراهيم البدري ولقبه الحركي «أبو بكر البغدادي»، فظهوره وصعوده وخلافته المزعومة وبسطه السيطرة على مناطق سورية وعراقية حيوية بترولية استراتيجية مهمة، أمر يلفّه غموض شديد الزمن كفيل بفكّ رموزه وحلحلة شفراته. الذي يهمنا كثيراً عشرات الألوف من الشباب الذين تقاطروا على خلافته، يأتون إليه من كل فجّ عميق، وأضعافهم ممن حملوا ميكروبات التشدد وطفيليات الإرهاب ولم يلتحقوا به، أو غيرهم ممن يتعرضون لدعاية تنظيمات المتشددين التي تعزف على وتر العاطفة الدينية وتتلاعب بالنصوص وتستغل المظلوميات التي تنخر في عدد من الدول الإسلامية والعربية لتكون جسوراً تنفذ من خلالها إلى عقليات الشباب وفكرهم، هؤلاء هم من يجب استهدافهم لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه منهم.
أهم أبجديات معالجة جذور التشدد هو عدم التشدد في هذه المعالجة، وأخطرها حشر المنافسة الآيديولوجية في تشخيص الحالة بغية العلاج، فتجد كل فئة تريد أن تحقق نقاطاً في صراع سياسي أو فكري أو حزبي، مما يحرف تشخيص الحالة إلى اتجاه خاطئ، فيمسون كفريق طبي غير متجانس في غرفة العمليات بين أيديهم مريض ينزف وأعضاء الفريق الطبي يتنازعون فيما بينهم في تشخيص الحالة لدرجة وصلت إلى حد التشابك بالأيدي، وهذه ليست من نسج الخيال، فقد أسَرَّ إليّ طبيب بأنه تعرض ذات مرة في غرفة العمليات للدفع والصفع من طبيب آخر والمريض بينهم يصارع من أجل الحياة... ستقولون إن هذه حالة جنونية، وهذا وصف دقيق، لكن حالة الجنون ستكون أشد وأنكى حين يندلع الصراع بين حملة الأقلام في الإعلام ومرضى التشدد في أخطر أحوالهم.
وقد لامست الإدارة العامة لمكافحة التطرف في رئاسة أمن الدولة في السعودية هذا الموضوع الشائك بالدرجة المطلوبة، فحذرت من التشدد بكل أصنافه، فذكرت في أحد بياناتها أن «هناك من يتشدد لمسائل بعينها، وهناك من يتحلل من تعاليم الدين وقيم المجتمع، وفريق ثالث يغالي في ولائه للجهة التي ينتمي إليها على حساب الدين والوطن: (وكل هذه الأشكال تطرف مرفوض نتكامل لمكافحته)».
كل نوع من أنواع التشدد مرفوض بغض النظر عن اللافتة المعروضة. التشدد في الدين والتشديد على الناس باسم الدين مرفوض وإن كانت اللافتة المعروضة هي «الغيرة على الدين»، والتشدد في الانفتاح بالانفلات من القيم وثوابتها وسمت المجتمع مرفوض وإن كانت لافتته «الانفتاح»، والتشدد في الوطنية والوقوف على بوابته فيسمح بالدخول لفئام من الناس ويُصدون عن الدخول فيه فئام أخرى بأتفه سبب... «مكارثية» مقيتة وإن كانت لافتتها «الغيرة على الوطن».
باختصار؛ الاعتدال ما وُضع في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة