الثورة اللبنانية: الشِّراك والفرص

الثورة اللبنانية: الشِّراك والفرص

الخميس - 10 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 07 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [14954]
نجت انتفاضة اللبنانيين من كثير من الشِّراك التي نصبتها لها السلطة وأحزابها. وتمكنت من تجاوز عدد من الامتحانات القاسية، على نحو دل على جدية المنتفضين، وعلى عمق القضايا التي دفعت بهم للنزول إلى الشارع.
فقد رفضت الانتفاضة «الورقة الإصلاحية» التي تقدمت بها الحكومة، ورأت فيها خدعة هزيلة بسبب عدم قابلية الورقة للتطبيق، والتناقضات الداخلية الكثيرة التي احتوت عليها. ثم تحدى المنتفضون تأكيد «الحاكم الفعلي» للبنان أن الحكومة لن تستقيل تحت ضغط الشارع، وأفلحوا في فرض الاستقالة عليها. وصمد المتظاهرون والمتظاهرات (والحضور النسوي عامل حيوي في الثورة اللبنانية الحالية ويستحق قراءة مفصلة) أمام هجمات مؤيدي ميليشيات الأمر الواقع، واستفزازاتهم واعتداءاتهم على المحتجين السلميين في العاصمة. بيد أن هذه الممارسات حققت في مناطق سيطرة الميليشيات نجاحاً ملحوظاً، نظراً لاندراج الاعتداءات هناك ضمن حملة تهويل وتخوين ومقاطعة عائلية ومحلية للمنتفضين، بأوامر صريحة من قادة «الثورة المضادة».
وفي كل مرة يعتقد الممسكون بالسلطة في لبنان بأنهم باتوا في مأمن من الانتفاضة الشعبية، يفاجئهم الشارع بزخم أكبر، وبتصعيد في نوعية الاحتجاجات والمطالب والمظاهرات، على النحو الذي جرى يوم الأحد، في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، بعد سويعات من تسيير «التيار الوطني الحر» مظاهرة استغرق الحشد لها أكثر من أسبوع، إلى قصر بعبدا؛ حيث ألقى رئيس الجمهورية ميشال عون، وصهره وزير الخارجية جبران باسيل، كلمتين تجنبتا أي إشارة إلى قبولهما بتقديم تنازلات حقيقية للمنتفضين، الذين ردوا بمظاهرات ضخمة في بيروت وطرابلس وصيدا وبعلبك، وبالتجمع على الطرقات الرئيسية التي قُطعت، وظلت على هذه الحال إلى اليوم التالي.
كذلك رافق الفشل محاولات إحياء الحساسيات الطائفية وصراعات المذاهب والمناطق، إضافة إلى التلكؤ في الاستجابة إلى مطلب المتظاهرين تشكيل حكومة من غير الملوثين بالفساد، وشروع السلطة في مساعٍ لفرض أمر واقع حكومي على المواطنين، من خلال الامتناع عن بدء الاستشارات النيابية الملزمة، التي ينص الدستور عليها، بعد أكثر من أسبوع من استقالة الحكومة السابقة.
ولعل هذا التوجه يشكل رأس جبل الجليد في مسار إحباط الحراك، وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الانتفاضة في 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي؛ ذلك أن التحالف الحاكم لن يعدم وسيلة يخترق بها الثورة عليه في سبيل إنهائها. وإلى جانب المماطلات والتسويف اللذين يدلان على خواء جعبة التحالف من أي حلول واقعية، تلوح المجموعة الحاكمة عبر وسائل إعلامها و«المحللين» المقربين منها بالسيناريو العراقي، وإن لم تسمِّه صراحة. فالاستمرار في حملات التخوين والكلام عن دعم الانتفاضة من سفارات أجنبية في بيروت، يتلاقى مع ما قاله المرشد الإيراني علي خامنئي، من أن المتظاهرين في العراق وفي لبنان يتأثرون ببعض الدول «الرجعية». وخلاصة السيناريو العراقي هي فرض سيطرة السلطة مدعومة من ميليشيات الأمر الواقع؛ سيطرتها بالقوة على الشارع، وإجلاء المتظاهرين عنه، واتهامهم بالعمالة لأميركا وإسرائيل، و«عرقلة تحرير القدس».
في المقابل، لا تعيش الانتفاضة أياماً وردية. فالتحديات أمامها ضخمة، ولا تبدأ من القدرة على تجاوز العوائق الميدانية والتعتيم الإعلامي وهجمات صغار «المحللين» والمنتفعين من النظام القائم، ولا تنتهي بالتردد أمام مسائل من نوع رفع مستوى التنسيق بين المجموعات العاملة في الشارع، وصوغ برنامج عام إلى جانب البرامج التي يطرحها عدد من الخبراء والباحثين المؤيدين للثورة. وقد قيل منذ الأيام الأولى لنزول اللبنانيين إلى الشارع، إن غياب القيادة والبرنامج، على طريقة الثورات العربية الأخرى، هي نقطة قوة ونقطة ضعف في آنٍ؛ إذ إنها تحمي الثورة من التعرض للرصد والتصفية الجسدية والسياسية؛ لكنها – من جانب آخر - تجعلها مشتتة وذات فاعلية منخفضة.
يضاف إلى ذلك السعي الدائم لقوى التحالف إلى اختراق الانتفاضة بأسماء وأشخاص مشبوهين وانتهازيين ومتسلقين، يبرزهم الإعلام المتعاون مع السلطة ساعات الليل وأطراف النهار، بهدف تصويرهم على أنهم القادة الهزيلون وغير الأكفاء، وإجهاض إمكانية مشاركة ممثلين حقيقيين للحراك في الحكومة المقبلة، التي قد تضم بعض الدمى التي جيء بها من مخازن أحزاب السلطة وأجهزتها.
وقد خسرت السلطة هذه عدداً من المعارك والنقاط؛ بيد أنها لم تستطع استخلاص أي استنتاج من هزائمها ومن زخم المظاهرات، بحسب ما تدل عليه تصرفات رموز النظام وأقوالهم. وليس ذلك بغريب؛ إذ إن البقاء على نمط واحد من التفكير والعمل ورؤية الأمور وحسابها، قد بات طبيعة راسخة عند طبقة عاشت طويلاً على آلام اللبنانيين، وباتت يتعين عليها الرحيل.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة