تحول مذهل في جائزة «نوبل» للاقتصاد

تحول مذهل في جائزة «نوبل» للاقتصاد

الجمعة - 19 صفر 1441 هـ - 18 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [14934]
نوح سميث
كاتب في «بلومبيرغ»
منحت جائزة نوبل في الاقتصاد العام الحالي إلى ثلاثة خبراء اقتصاد مرموقين، هم أبهيجيت بانيرجي، وإستر دافلو من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ومايكل كريمر من جامعة هارفارد. تشير الجائزة التي تم منحها تقديراً لما قدموه من «مقاربة تجريبية للحد من الفقر العالمي»، من عدة أوجه، إلى تغير علم الاقتصاد.
هناك فكرة شائعة عن خبراء الاقتصاد، هي أنهم لا يأبهون لاحتياجات الفئات الأكثر فقراً في المجتمع. ويعارض كثير من خبراء وعلماء الاقتصاد البارزين هذه الصورة النمطية؛ حيث يكرسون جل حياتهم ومسيرتهم المهنية لدراسة كيفية مساعدة ودعم المواطنين الأكثر فقراً في الدول النامية، من خلال الإجراءات الحكومية. وينتمي كل من بانيرجي، ودافلو، وكريمر، إلى هذه الفئة.
على سبيل المثال، درس ثلاثتهم فوائد التعليم. بوجه عام ينظر المواطنون في الدول المتقدمة إلى التعليم الحكومي ذي الطابع العالمي على أنه أمر مسلَّم به، مثله مثل الثروة الاقتصادية التي يوفرها المتعلمون من أفراد الشعب. مع ذلك لا تتمتع الدول النامية بمثل هذه الرفاهية. وقام كريمر خلال عام 2003 بمراجعة سلسلة من التجارب العشوائية المنضبطة في كينيا، والتي أوضحت أن زيادة الإنفاق على التعليم كان مجدياً ونافعاً؛ لكن كان توفير بعض وسائل العلاج مثل عقاقير طرد الديدان نافعاً أيضاً؛ حيث يساعد الأطفال على مواصلة التعلم. ودرس كل من بانيرجي ودافلو، بالتعاون مع المؤلفين المشاركين شون كول وليغ ليندين، برنامجاً استعان بمعلمين خصوصيين لتعليم أطفال من ذوي الأداء الدراسي المتراجع المتدني في الهند، وبرنامج تعلم يتضمن مساعدة الكومبيوتر، وخلصوا إلى جدوى البرنامجين. كذلك وجدت دافلو ارتفاع المكاسب من الأجور بشكل كبير بفضل الإنفاق على التعليم الحكومي في الهند، مما يؤكد الدور المحوري للمدارس في تحقيق النمو الاقتصادي.
وأخذ الثلاثة يدرسون على مدار سنوات، البرامج التي تحث المزارعين في الدول النامية على زيادة استخدام الأسمدة الزراعية، وتوفر قروضاً صغيرة ميسرة لسكان المناطق الفقيرة، وتخصص حصة للنساء للمشاركة في الحكم المحلي، وغيرها من التدخلات الحكومية المستهدفة. في بعض الحالات، مثل حالة منح قروض بسعر فائدة منخفض، لم ترقَ البرامج لمستوى الوعود التي قدمتها في بداية الأمر؛ لكن نجح كثير من المبادرات في تحقيق منافع مستدامة.
ربما يبدو للبعض أن الإنفاق على برامج مثل مكافحة الآفات الزراعية، أو توفير الدروس الخصوصية، يعالج أموراً هامشية. صحيح أن الاستثمار والتحول الصناعي هما ما يجعلان الدول الفقيرة دولاً غنية؛ لكن مثلما اتضح في كل من الصين والهند، يمكن أن يتخلى مثل هذا النمو عن الأكثر فقراً لفترة زمنية طويلة.
يؤثر أفراد الشعب المتعلمون المعافون جسدياً، والذين يحظون بتغذية سليمة، على معدل العائد على الاستثمار، مثلما أشار كل من بانيرجي ودافلو، لكن في بلاد لم تبدأ بعد عملية التحول الصناعي، يعد العمل على تخفيف معاناة البشر أفضل ما يمكن فعله على المدى القصير، لذا ما قدمه كل من بانيرجي ودافلو وكريمر، عمل ضروري وحيوي على عدة مستويات.
الأمر الثاني فيما يتعلق بجائزة العام الحالي، هو نوع البحث الذي تم تقديره ومكافأته. وكثيراً ما يُنظر إلى الاقتصاديين باعتبارهم منظّرين يرسمون منحنيات عرض وطلب على الألواح، متجاهلين الواقع المعقد المركب في العالم الخارجي... مع ذلك شهدت العقود الأخيرة تحولاً كبيراً باتجاه تحليل البيانات التجريبية.
ساعد بانيرجي ودافلو وكريمر في تقديم طرق تجريبية مهمة وجديدة في إطار تجارب عشوائية منضبطة. وعوضاً عن دراسة تأثير البرامج الحكومية ذاتها، توجهوا إلى دول فقيرة، وقدموا البرامج بأنفسهم. وبات هذا النوع من البحث أكثر شيوعاً. ولاقى هذا التوجه انتقادات؛ حيث ذكر المنتقدون أن القوة الإحصائية للتجارب العشوائية المنضبطة ضعيفة، وأنه دون فهم راسخ واضح لكيفية تأثير البرامج التي تمت دراستها، سيكون من الصعب جداً تطبيق تلك الدروس في أماكن أخرى.
مع ذلك، يعي كل من بانيرجي ودافلو وكريمر تلك الأمور؛ إذ خصصوا جانباً كبيراً من أبحاثهم للتعامل معها. كذلك عملوا على تحسين مصداقية التقييمات الإحصائية، إلى جانب توسيع نطاق التجارب العشوائية المنضبطة لتطبيقها في سياقات أكبر. كذلك استحدث كل من بانيرجي وكريمر نظريات توضح سبب إخفاق الحكومات في تطبيق سياسات جيدة، وكذا إخفاق الدول الفقيرة في تحقيق التنمية، وهو ما من شأنه أن يساعد في فهم سبب نجاح بعض البرامج وفعاليتها وفشل أخرى.
وردت دافلو على المنتقدين خلال خطاب لها في عام 2017، بإعادة تعريف فكرة ما ينبغي على الاقتصاديين فعله. وشبهت الاقتصاديين الباحثين في مجال التنمية بالسباكين الذين يحلون مشكلات العالم الواقعي في مواقف محددة، بدلاً من السعي وراء تبصرات عالمية شاملة. وبسبب تباين المشكلات المتعلقة بالفقر واختلافها من مكان لآخر، تشير دافلو إلى ضرورة قيام الاقتصاديين بالانخراط في العمل على أرض الواقع، والتوصل إلى حلول محددة تتناسب مع كل حالة.
ربما يمثل ذلك تحولاً مذهلاً بالنسبة لمجال أكاديمي كثيراً ما يميل إلى التقوقع والانعزال وضيق الأفق. مع ذلك ربما توضح دافلو - التي تعد أصغر خبيرة اقتصادية تفوز بجائزة نوبل، فهي في السادسة والأربعين من العمر فقط - تغير هذا المجال واتجاهه نحو اقتصاد يتسم بالتواضع، والعملية، والتجريبية، ومرتبط دوماً بمشكلات الناس الحقيقية؛ خصوصاً الأكثر احتياجاً منهم.

- بالاتفاق مع «بلومبرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة